اغلاق

اُسس ومعايير


بعد مكوثه لشهوراً طويلة في غرفته المكتظة بالآلأم والآهاهات والأوجاع , المتمازجة بحزنه وقهره وقلة حيلته. قرر الشاب محروم أن يخرج من وحدته قليلاً ليتجول في أحياء قريته ويمشي في شوارعها ويختلطُ بناسها وينظرُ لسمائها ويشتمُ رائحة ترابها بعد عزله نفسه تلك المدة, معتمداً في خروجه على يديه الاثنتين لتحريك عجلات كُرسيه وتوجيهه حيث الأمكنه القريبه التي يرغب برؤيتها, وقد أنجز مهمته بصعوبة بالغة حينما اعتمد على نفسه بركوبه الكرسي دون أن يستدعي أحداً من أهله لمساعدته رغم أنهم حاولوا تكراراً أن يقوموا بحمله ووضعه عليه لكنه أراد الاعتماد على نفسه لا سواها.

وبعد ذلك عزم محروم للخروج من البيت بمفرده دون مرافقة أحداً من أهله مبرراً لهم ذلك بأنه انسان كمثلهم يستطيع أن يُحرك كرسيه للمكان الذي يريد دون الحاجة للآخرين واعداً اياهم بأنه لن يذهب بعيداً عن مكان البيت, فما كان من الأهل الا ان استجابوا لرغتبه تجنباً منهم جرحَ مشاعره واشعاره بنقصه , شريطة أن لا يبتعد أو يتأخر عن البيت وقد اتفقوا فيما بينهم على أن يتبعهُ أحدهم حرصاً منهم أن لا يصيبه أذىً في الطريق دون أن يشعر بأن أحداً يُراقبه.

وقد بدأ محروم بتحريك عجلات كرسيه الى حيث ما ينوي الذهابُ اليه , اذ صادف وهو يمشي في كرسيه القديم الذي لم يتغير أو يتبدل منذ سنوات, اُناساً طيبون بادروا بسؤاله ان كان يحتاج المساعدة فكان شاكراً لهم انسانيتهم مُصرّاً بعد ذلك على موقفه بأن يكون مساعد نفسه بنفسه دون الحاجة للغير,ومن ثم ألتقى بآخرون وقد ظنوهُ متسولاً في أوقات كان يقف فيها على حافة الطريق عند شعوره بالتعب وحاجته للراحة , فرفض قبول ما عُرض عليه من قبلهم واستمر في اكماله الطريق, ثم التمَس نظراتُ شفقه من لدن المارُ بجانبهم وهم يتسآلون من مع هذا وكيف لاهله أن يتركوهُ يسير وحيداً..!!, وما بين نظرات الشفقه والاستهزاء والاستغراب لم يتوقف محروم وأكمل الطريق,الى أن أصبح بجانب بوابة قصراً يسكنهُ أحد المسوؤلين فتذكر أنه قد ابتعد قليلاً عن مكان بيته وأنه ينبغي عليه أن يعود اليه قبل غروب الشمس,

وما أن أكمل حديثه مع نفسه الا واستوقفه ذلك الموقف الذي يحدثُ أمام بوابة القصراذ شاهد خدمهُ وهم يُحضرّون وجبة من أجود أصناف الأطعمة الفاخرة لكلاب حراسة القصر تلك التي لم يرأها في بيته من قبل ولم يحلمُ بشرائها , فسقطت دموعه قهراً على الارض وهو يقترب أكثر فأكثر من بوابة القصر وبعد أن بلغ الخط الذي يُمنع تجاوزه دوت صافرات الإنذار تنبيهاً منها بأن هناك شخصاً يبادر بدخول القصر فهرع جميع من فيه إلى المكان وقد أخذوا لوازمهم الاحتياطية خوفاً من أن يكون إرهابياً يريد أن يفجر بالقصر فوجدوه شاباً يجلسُ على كرسياً يُستعمل في خدمة المعاقين فقابلهم بالدموع والرعشه ذهولا منه لما جرى لهم , بينما قابلوه بمن أنت..؟ وكيف وصلت هنا..؟ وماذا تريد..! وهل تحمل شيئاً...؟!

فرد عليهم بأن لا تخافوا أنا محروم , فضحكوا بهزوه ومن ماذا محروم..!, فبكى وصرخ وقال دعوني اُكمل أنا محروم أوصلني كرسيي وقد استعانت عجلاته بيدايّ ليُحركاه, لا أحمل شيئا بل الكرسي هو الذي يحملُني , ولا أحتاج منكم شيئا الا طلباً أتوسل اليكم بأن تلبوه لي.

فرد أحدهم عليه بكُرهيه مستضيحه , "قل ما طلبك".فقال لهم اسألوا مسؤول هذا القصر, ألا يملك الجرءة لتطبيق اُسسه ومعاييره على كلابه التي تحرس قصرهُ , كما يملك القدرة في وضعه اُسساً ومعايير كانت كفيله بحرماننا من أن نأكل كما يأكل هذا...,

عاود محروم الرجوع إلى بيته ودخل غرفته وهو مدركاً أن الألم الكامن في زواياها لا يعادل شدة الوجع الذي شعر به وهو خارجها.

محروم هي كنية أطلقتها على كل انسان يُعاني الاعاقه في هذا الوطن الذي تمادى مسؤوليه على حقوقه بوضح النهار دون رحمتاً منهم ولا شفقه,

محروم هو كل انسان خُلق معاق في زمن بات لا يُطاق وفي وطن لم يقدر هذه النعمة , محروم هو انسان قد يكونُ عاجزاً عن القيام بأفعال الآخرين ولكنه يملك من الصبر والايمان والإبداع والفكر الجلّي ما يفتقده الآخرين ,
محروم هو انسان لا ذنب له في معاناته المتمثله باعاقته الذي يُعاني منها ,

محروم هو انسان ضعيف استغل ضعفه صندوق المعونة الوطنية التابع لوزارة التنمية الاجتماعية وبدأ بوضع أسسه ومعاييره التي كانت كفيله بالتعدي على كرامته وحرمانه من أبسط حقوقه وهو العيشُ بكرامة دونما أن يطلب من أحد أو يحتاج لأحد.

ما ذنبنا أننا خُلقنا "ضعفاء", "معاقين", "عاجزين", كما تصفوننا , ما ذنبنا عندما نشتهي شيئاً ما لا نستطيع الوصول اليه , ما ذنبنا أننا نملكُ من الابداع ما تفتقرونه أنتم دونما أن نجد له منكم الرعاية والاهتمام , بل تسابقتم لبلورة اُسس ومعايير لم تكن عادلة حينما قمتم باقتطاع رواتب جزءً من معاقي وطني وتركتم العشرين ديناراً عنوان ألما وحسرة في كل آخر شهر لأمثالهم الآخرين.

وما هذه الاسس والمعايير التي تمنُ على معاقُ وطني كل ثلاثين يوما بعشرين دينار ولماذا لا تُطبق على كلابكم التي تحرس قصوركم وفللكم قبل أن تُطبقوها على هذا الانسان الواصفي اياهُ بالمعاق والذي لا يملكُ حيلتاً الا الشكوى , ولمن يشكوا في هذا الزمان..! الذي غابت عنهُ العدالة وأصبحت تكتب برؤؤس الأقلام على الأوراق البروتوكية , الا للذي خلقهُ في موضعه هذا, فأحذروا دعوة المعاق بعد أن ظلمتموهُ , وأسألوا أنفسكم وأبنائكم ماذا تعني لكم "العشرين دينار"’ في قضاء حاجاتكم اليومية لعل ضمائركم الميته أن تحيا من جديد وتسأل كم معاقاً ظلمنا...



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات