اغلاق

مصير وثيقة السلط !


في كتابه ""مواقف في الانتماء والوفاء""، يرصد قاضي محكمة التمييز السابق الأستاذ عبد الرزاق أبو العثم، عددا من الظواهر والمفارقات الاجتماعية، وكُلفها العالية؛ ماديّا ونفسيّا، على الناس. ومن هذه الشواهد، التي قد لا تغيب عن ذهن أي قارئ: صورة ذلك الرجل المفجوع بنجله الوحيد، أثناء الدفن، ولمّا يفرغوا بعد من مواراة جثمان الشاب الورى، وهو يلاحق المشيّعين، مؤكدا عليهم ضرورة التواجد عند موعد مأدبة الغداء!!.

وبالتأكيد، هناك صور عديدة، ومشاهد أخرى، وتجارب عايشها كثيرون، تكشف حجم المبالغة والإسراف، ليس فقط على صعيد الإنفاق المالي، ولكن، أيضا، على صعيد المشاعر والتجمُّل، ومغالبة الآلام والاعتبارات الملحّة، لصالح العادات الطارئة، بكلّ ما في الكلمة من معنى. وهي، في مجملها، ممارسات مضرّة ومؤذية في زمن الوفرة وفي حالات الترف، فكيف هي، في الأوقات الصعبة والأحوال الاقتصاديّة المرهقة، مع إصرار البعض على التمسّك بها وكأنها قوانين اجتماعيّة!!.

من هنا، كانت وثيقة السلط، كمبادرة اجتماعيّة- ثقافيّة، تشكل استجابة واعية ومسؤولة، تجاه هذه الممارسات والعادات، في ظل تنامي الحاجة الاقتصادية، تحديدا، لمبادرة جديّة، من هذا النمط، وبهذا الحشد من التأييد ونوعيّة الحضور، ومستوى تمثيلهم الاجتماعي. وكما معروف، فإن مواثيق الشرف ليست ملزمة بالمعنى القانوني للكلمة، لكنها تكتسب قوّتها من بُعدها الأخلاقي والقِيَمي. ولا يمكن محاسبة أصحاب المبادرة على مستوى التزام الآخرين بتنفيذها، في مثل هذه الحالة؛ فهؤلاء لا يمتلكون أيّ سلطة ماديّة، تخوّلهم المحاسبة، في حين أن مسؤوليّة إنجاح المبادرات الاجتماعيّة- الثقافيّة، هي مسؤوليّة الناس أنفسهم ومسؤوليّة النخب والهيئات الثقافيّة وقادة الرأي العام، على اختلاف تصنيفاتهم ومواقعهم.

..أهمّ ما قدّمته وثيقة السلط الشعبيّة، هو في تجريدها الممارسات والعادات الطارئة من شرعيّتها الأخلاقيّة والاجتماعيّة؛ لتبدو هذه الممارسات ولأوّل مرّة على حقيقتها؛ بصفتها تجاوزات أخلاقيّة لا تقاليد محترمة تسعى المجتمعات الحيّة للحفاظ عليها وتقديرها. وبالتالي، فإن من يتجاوز هذه الاعتبارات لا يعود محمودا في مجتمعه ولا يعبّر بترفه ومبالغة إنفاقه عن تميّز اجتماعي إيجابي، وإنما يظهر بوصفه متحديّا للأعراف الأصيلة وشخصا استعراضيّا لا أكثر ولا أقل.. وهذا بحدّ ذاته إنجاز مهم ونوعي، يسجّل للوثيقة ومَن قاموا على إنجازها.

ويبقى، إن وثيقة السلط الشعبيّة، والتي جاءت في ظل ظروف اقتصاديّة صعبة، مرّت بها البلاد بأسرها، انعكاسا لأزمة عالميّة؛ قد شكلت، وقت إعلانها، استجابة مهمّة ومبادرة، وكانت حصيلة جهود وعمل دؤوب ولقاءات طويلة، هي لا شك، محط احترام وتقدير المنصفين.. أما السؤال حول مصير الوثيقة ومدى الالتزام بتنفيذ توصياتها، فآخر من يجوز أن يُواجَه به هم معدّو الوثيقة.. وهو سؤال لا بدّ من توجيهه للآخرين، ولكلّ من يصرّ على التمسّك بعادات فقدت غطاءها الأخلاقي والشرعي.

abdromman@yahoo.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات