اغلاق

نحو تصنيفات حقيقية للجامعات لا تخضع للتجارة أو الإبتزاز المادي


لقد أصبحت التصنيفات العالمية للجامعات أمرا يرهق إدارة الجامعات ويأخذ من جهدها ووقتها الشيء الكثير، سعيا منها لتحقيق مرتبة متقدمة ضمن هذه التصنيفات أو تلك، والمتابع والمدقق بعمق في هذا الملف يجد أن الأمر لا يكاد يخلو من تجارة رائجة تقوم بها بعض الشركات العالمية التي تقدم جامعة ما في سنة وتؤخر ترتيب نفس الجامعة في سنة أخرى حسب مقدار ما تدفع تلك الجامعة لهذا التصنيف أو لغيره لا تراعي في ذلك تاريخ تأسيس الجامعة ولا تراعي مدخلات التعليم الحقيقية حيث نلحظ جامعات حققت ترتيبا متقدما وعمر تأسيس هذه الجامعة أو تلك لا يتجاوز العشر سنوات، لانها سخرّت أرقاما وإمكانيات مادية كبيرة لذلك، وفي الوقت نفسه لم ينعكس ذلك إيجابا على مستوى خريجي تلك الجامعات علما وبحثا، إضافة إلى أن هذه التصنيفات تستند في واقع الأمر على إنجاز أعمال ورقية ((Paper Works، ولم ينعكس البتة على رفع مستوى التعليم الذي تراجع خلال العقدين الماضيين في العديد من جامعاتنا العربية التي أصابها الوهن، علما أن هذه الجامعات خرجّت قبل ذلك أجيالا وقيادات مؤهلة تركت بصمات أكثر تأثيرا مما نجد اليوم، كما أن هذه الجامعات لم تكن تهرول أو تسعى للحصول على هذه التصنيفات، وكانت واثقة وتسخّر أهدافها للعمل الجاد فكان المدرس جادا والطالب جادا والمكتبة زاخرة برواد طلبة العلم فتخرجّت أجيال متميزة.
والمتابع من الزملاء الأكاديميين والمهتمين في موضوع موقع أو ترتيب الجامعات العربية ومنها الجامعات الأردنية في هذه التصنيفات العالمية مثل تصنيف Shanghai و تصنيف Webmatrix وغيرهما التي أصبحت رائجة من خلال إعتماد عناوين فارغة من محتواها الحقيقي تتلخص في السمعة الأكاديمية للجامعة Academic Reputation، وسمعة الخريجين في سوق العمل Employer Reputation، ونسبة الطلبة من دول العالم International Students Ratio وغيرها، حيث تتسابق الجامعات العربية لتحتل مواقع متقدمة ضمن هذا التصنيف أو ذاك، والمتابع أيضا بموضوعية وتمحيص دقيق للأمر يخرج بنتائج أن الذي يدفع أكثر وينفق أكثر لتحقيق هذه المعايير- وإن كانت حبرا على ورق- هو الذي يحقق موقعا متقدما أفضل، علما أن كثيرا من النقاط والبنود غير متوازنة وقابلة للنقاش وتتصف بعدم الدقة في التوزيع وتعتمد على أراء استطلاعية أو مسحية Screening Opinions)) بنسبة عالية وليس على دقة المعلومات (Precision of Data)، كما أن المقارنة بين جامعة وأخرى لا يخضع لمنطق مقبول فكيف يستوي الأمر أن يتم المقارنة بين جامعة تأسست قبل ستة عقود من الزمن مع جامعة تأسست حديثا.
وبما أن الأمر أصبح من ضمن أولويات معظم الجامعات مما يضع هذه الجامعات أمام تحد إداري ومالي وأمام ضغط نفسي كبير، ويدفع بجامعاتنا للمحاولة مرة تلو الأخرى وتكون النتيجة دونما إحراز أي تقدم ملموس ناهيك عن الوقت والجهد والمال الذي يترتب على ذلك.
وربما لا يروق للبعض ما أكتب لغاية في نفس يعقوب، فلماذا اللهاث وراء كل هذه التصنيفات إذا إمتلكت جامعاتنا العربية المقومات الأساسية من توفير أعضاء هيئة تدريس متميزين تدريسا وبحثا تخرجوا من جامعات عالمية مرموقة، وأن الطلبة الذين يلتحقون فيها متميزون كذلك، وأن خططها الدراسية تواكب تلك الموجودة في جامعات ذات سمعة أكاديمية عالية؟ ولماذا لانعتمد تصنيفا محليا أوعربيا وتكون ثقتنا بهذا التصنيف الذي يراعي تلك العناوين التي جاءت بها هذه الشركات الرائجة ونروضها كما نريد؟ سيمّا وأن جامعاتنا ملآى بالخريجين من مختلف التخصصات الذين أكملوا تعليمهم العالي من دول العالم المتقدم.
وعودا على بدء، نعم لنكن على تواصل مستمر فيما يستجد من معايير التي تحقق ضبط الجودة في التعليم والبحث العلمي والإدارة الأكاديمية وما إلى ذلك من أمور ترتقي بمؤسساتنا التعليمية، ولكن علينا أن ندرك ونعترف أن مراكز التصنيف العالمية هي مؤسسات ربحية بإمتياز وهدفها الترويج لبرامجها، وإذا كان الامر كذلك، فالحكمة تقتضي أن نكون غير آبهين وأن لا يكون شغلنا الشاغل أين موقع جامعاتنا العربية، لأن المقياس الأساس لتحتل موقعا متقدما ضمن هذه التصنيفات هو كم تدفع وتنفق هذه الجامعات، وبالطبع فإن مراكز التصنيف هذه لها من ذلك نصيب كبير.
وإذا كان الأمر يتعلق في تحقيق معايير عالمية فالأهم هو نقل التجربة وتشكيلها بالقالب الذي بنهض بجامعاتنا بأقل كلفة، لأن هناك جامعات أخذت مراتب متقدمة كونها أنفقت الكثير على ذلك، وواقع حال هذه الجامعات تعليما وبحثا هو غير ذلك، بالإضافة إلى ضرورة أن تتبنى جامعاتنا إستراتيجيات عمل واقعية تكون بنودها قابلة للقياس وتتابع بإستمرار من قبل الجامعات بمكوناتها المتعددة التي تشمل الكليات الأكاديمية والمراكز العلمية والبحثية وغيرها، وعندما تتحقق غايات هذه الإستراتيجيات، فإن ذلك سينعكس إيجابا على أداء جامعاتنا.
وإذا سعت الجامعات الى الأخذ بمقومات جيدة لتحقيق معايير ضبط الجودة والحاكمية وكل ما يدور في فلكها، فهل هناك من بدائل قوية للتصنيف وأكثر موضوعية تعمل في إطارها جامعاتنا الأردنية والعربية مع ضرورة متابعة ما يجري عالميا؟، لأنني أعتقد أن الأمر من ألفه إلى يائه هو تجارة ولنعمل لجامعاتنا بمنهجية ومؤسسية وصدق.
ولكي لا يساء الفهم لا سمح الله من قبل البعض، فإنني أرى كما يرى غيري من الزملاء الأكاديمين وأقول: نعم لملف التطوير وضبط الجودة في جامعاتنا، ولكن بإنجاز حقيقي من قبل كافة العاملين في الجامعات إدارات وأعضاء هيئة تدريس وإداريين وطلبة، لا يقوم بالإعتماد على تلك الشركات التي تضع شروطها وعناوينها مقابل ربح مادي في الوقت نفسه لم يقدم في واقع الأمر أي تقدم نوعي لجامعاتنا.
ودامت النفوس الكبيرة التي تعمل بصمت وهدوء وتقدم للوطن والأجيال وتضع النقاط فوق الحروف وتسمي الأمور بمسمياتها الحقيقية، بعيدا عن الزخرفة والإستعراض وإنفاق أموال لشركات ربحية كان من الأولى أن توجه لتطوير وإحتياجات الجامعات الحقيقية، ودامت النفوس الأبيّة والقلوب النضرة التي لم تلوثها المغريات مهما كانت والتي تتسامى عاليا لتحقق أهدافا سامية لمنظومة التعليم النوعي كمّا وكيّفا تنعكس تنمية وتقدما وتنفع البلاد والعباد.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات