اغلاق

مبدأ ثنائية المسؤولية والجزاء


من المعلوم أن الرابطة بين السلطة الحاكمة والأفراد هي رابطة ناشئة عن العقيدة الإسلامية، وهي رابطة الأخوة في الله ورابطة البر والقسط، قال الله تعالى:" إنما المؤمنون أخوة"، وهي رابطة ينتج عنها عدم انتهاك السلطة لحقوق الأفراد، ومن ثم محبة الناس للسلطة لأنها تقدم كل أنواع الضمان اللازمة للعيش الكريم، والسعي في إسعادهم، لأن الأخوة تقتضي المحبة والعون على سبيل الوجوب، وكل هذا أعلى من رابطة المواطنة والحقوق الناشئة منها.

ومبدأ ثنائية المسؤولية لا يعرفه الفكر القانوني ولا القانون الوضعي، ومفاده أنّ المجتمع أفراداً وسلطة، يجد نفسه في النظام الإسلامي أمام مسؤوليتين اثنتين، فكل إنسان سواء أكان فرداً عادياً أم كان ضمن السلطة الحاكمة مسؤول عن تنفيذ القانون الإسلامي، بما يتضمن من أحكام حقوق الإنسان وغيرها، على نفسه أولاً، وحمل غيره على تنقيذ القانون الإسلامي ثانياً، فليس لأحد من منظومة القانون الإسلامي ينفذ ما عليه ثم لا يهمه أمر الآخرين بعد ذلك في تنفيذهم أو عدم تنفيذهم للقانون، بل هو مسؤول عن حمل غيره على هذا التنفيذ، وقد قرر القرآن الكريم مبدأ ثنائية المسؤولية بصريح النص الشريف، قال تعالى" والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"، وكذلك قررت السنة الشريفة هذا المبدأ في قوله صلى الله عليه وسلم "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فيقلبه، وذلك أضعف الإيمان"

وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل عظيم يفيد ثنائية المسؤولية، وهي أمانة يحملها الإنسان تجاه نفسه أولاً، ومن ثم تجاه مجتمعه ثانياً، وهو يؤدي إلى أقصى درجة من تنفيذ القانون الإلهي، ويسهم في خضوع الدولة لعدالته، وترسيخ حماية حقوق الإنسان في الدولة، إذ يجعل كل فرد في المجتمع قواماً على حفظ وتنفيذ القانون، حارساً لمبدأ المشروعية، مسهماً في إرساء نظام دولة القانون التي استلهمت الشريعة الإسلامية نصاً وروحاً في مسيرتها وقد نشأ بناء على أصل ثنائية المسؤولية نظام الحسبة في الإسلام، الذي قال عنه ابن خلدون:" هي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، فهي في أصلها واجب عام على الأمة جميعاً، أفراداً وسلطة حاكمة، يدل على ذلك قوله تعالى: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله".

ومما يترتب على مبدأ ثنائية المسؤولية مبدأ ثنائية الجزاء، ولهذا الأصل دوره الكبير في منهجية تفعيل حقوق الإنسان، وكل الأحكام الشرعية الأخرى، وهو يتضمن مسؤولية الفرد والسلطة الحاكمة أمام الله تعالى، وما يترتب على ذلك من الجزاء الأخروي، فالنظام الإسلامي يضمن أعلى درجة من الخضوع لعدالة التشريع الآلهي لأنه يقرر جزائين اثنين، جزاء دنيوي يتمثل في العقوبات الشرعية للفرد والسلطة عند الخروج وانتهاك حرمات الشريعة، وجزاء أخروي يتمثل في العقاب الآلهي العادل لمن أفلت من العقوبة في الدنيا، وهذا التصور الإسلامي يصادف خضوعاً وطاعة من الأفراد والسلطة أكبر بكثير من تلك القوانين الوضعية التي لا تؤمن إلا بالجزاء الدنيوي فقط، وتسقط من اعتبارها الجزاء الأخروي، لعدم إيمانها بالله وما يترتب عليه، ومبدأ ثنائية الجزاء هذا الذي تضمنته الشريعة الإسلامية يعود إيجاباً على حقوق الإنسان من حيث حمايتها وصونها بأعظم النتائج التي يتعذر على القوانين الوضعية الحصول على مثلها، وبهذا فإن مبدأ ثنائية المسؤولية ومبدأ ثنائية الجزاء يشكلان نوعاً فريداً من التنظيم للمسؤولية والجزاء في الشريعة الغراء حيث وجد الإنسان في ظلها السعادة والاستقرار النفسي والإطمئنان الذي لا حدود له، وهو ما تفتقده القوانين الوضعية، حيث وجد الإنسان في ظلها البؤس والشقاء، وهذا كله من إفراز الحياة المادية الخاوية من الروح التي قدسها ويقدسها الإنسان الذي باع دينه وخلقه بعرض من أعراض الدنيا الصفراء الباهتة، وصدق الله العظيم": فأما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات