google_ad_client: "ca-pub-3995188976473345", enable_page_level_ads: true });

اغلاق

تركيا : صراع ايديولوجي بين "اتاتورك" و"اردوغان" .. وعداء "الدولة الموازية" !


ايهاب سلامة - جرت عادة الانقلابات العسكرية أن تحدث بشكل مباغت مفاجىء، لمصادرة حكم قام على البطش والاستبداد، أو للتخلص من حاكم طاغية، أو لافتقاد الحكومات والحكام شرعيتهم، ولاسباب أخرى - جميعها - لم تنطبق شروط تطبيقها على مؤسسة الحكم في تركيا، فهي مؤسسة شرعية منتخبة.. لها حاضنتها الشعبية، وقدمت انجازات غير مسبوقة لدولتها وشعبها، فكانت محاولة الانقلاب عليها، تفتقد للمبررات السياسية التقليدية، ولم تحظ بدعم شعبي ولا قبوله، بل هو من تصدى لها، ففشلت فشلا ذريعًا، بشكل من المؤكد أنه سينعكس لاحقًا على بنية المؤسسة العسكرية العلمانية التركية وعقيدتها برمتها، وربما يكون خطؤها القاتل الذي سيقصم ظهر هيمنتها التاريخية على مفاصل الدولة.

كما جرت عادة القادة المنقلب عليهم دومًا، أن يفروا من شعوبهم.. بطائراتهم المحضّرة للإقلاع، نحو دولة غربية أو جزيرة نائية، يقضون فيها بقية أعمارهم، بعكس الرئيس التركي الذي بدلًا من الفرار من شعبه، لاذ اليه.. بل وطلب منه النزول الى الشارع، كما أعطى مشهد أول تصريح له بمطار أتاتورك باسطنبول، عقب فشل الانقلاب عليه، وهو يخاطب الشعب والجيش، وصورة مؤسس الدولة التركية العلمانية مصطفى كمال اتاتورك خلفه (!) ، رسالة سياسية، أن الحقبة "الكمالية" العلمانية قد ولّت، وباتت خلف ظهور الاتراك، وأعلنها صراحة في مستهل كلمته : "أن تركيا لم تعد كما كانت".. بل وحدد "عقيدة" مغايرة لجيش بلاده حين وجه خطابه للعسكر قائلًا : "أنتم جيش محمد" !

ورب ضارة نافعة، فقد تحول الانقلاب الفاشل من انقلاب على اردوغان، لانقلاب لاردوغان على الجيش الذي يخوض معه صراعًا دستوريًا منذ توليه الحكم سنة (2002)، لتقليص نفوذه، فجاء الانقلاب الفاشل ليخدم القيادة التركية الحاكمة بشكل لم تكن لتحلم به، واتاح لها الفرصة والمبرر لاقصاء خصومها العسكر، وسياسيون وقضاة مناوئون لها، في "حملة تطهيرية"، أحكمت من نفوذ المؤسسة السياسية الحاكمة، على المؤسسة العسكرية التي لم تخضع يومًا لحاكم، خاصة كما أردوغان، بخلفيته الاسلامية التي تتعارض (180) درجة مع الجيش العلماني وموروثه، وربما يكون انقلابه الفاشل، بمثابة الشعرة التي ستقصم ظهر عقيدته العسكرية المسيسة، دون أن يقوم لها لاحقا قائمة.

ولأن الانقلابات عادة يفترض أنها بحاجة الى مسببات ومبررات، فأن الانجازات المهولة التي تحققت في عهد حزب العدالة والتنمية الحاكم، أسقطت مبررات المنقلبين سلفًا.. فلماذا يتم الانقلاب على حكم شرعي منتخب، وعلى قيادة نهضت بالدولة التركية وانتشلتها من مستنقعات اقتصادية كارثية، بل وحققت مكتسبات سياسية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة ؟ .. وهل كان يمكن لمحاولي الانقلاب تقديم ذات الانجازات لبلادهم فيما لو نجح انقلابهم وتسلموا مقاليد الحكم ؟

لا يمكن بطبيعة الحال، فهم ما يجري الان في تركيا بشكل مستفيض وكامل ومنصف ايضًا، دون العودة بعقارب الساعة الى حقبتين تاريخيتين تركيتين، اولاهما، الى العام (1299) ميلادية، حينما أسس "عثمان بن ارطغرل" الدولة العثمانية الاسلامية (الخلافة)، والثانية الى العام ( 1923) لرجل آخر يدعى "مصطفى كمال اتاتورك"، الذي أسس الدولة التركية العلمانية اللادينية الحديثة، وارهاصات تيك الحقبتين وموروثهما، بل وصراع الورثة بين هذا الذي يحاول المحافظة على الارث الكمالي العلماني، والاخر الذي يحاول احياء "خلافة" حكمت زهاء ستة قرون كاملة.

الجيش التركي ظل يقوم بدور "الحارس" على الموروث العلماني الاتاتوركي الاقصائي، مسقطًا أي حكم شرعي أو غير شرعي يحاول اخراج الدولة الحديثة عن سكة علمنتها.. فيما "حزب العدالة والتنمية" الحاكم، الذي يعد امتدادًا لاحزاب وتيارات اسلامية تركية ظلت هي الاخرى في صراع مستمر مع الساسة المُنصّبين أصلًا من العسكر، ويسعى هو الاخر لاعادة وضع القطار التركي على السكة الاسلامية بدلاً من العلمانية.

ولم تكن محاولة الجيش بالانقلاب على الحكم هي الاولى ، بل له تاريخ حافل بالانقلابات، وطالما كان يوصف بأنه حامي الإيديولوجية العلمانية التي أرساها أتاتورك، الذي لعب دورًا تاريخيًا بتفريغ الدولة التركية من محتواها الاسلامي وعلمنتها، فيما تعد محاولة الانقلاب الاخيرة للجيش على رجب طيب اردوغان، الخامسة في تاريخه، عقب سلسلة من الانقلابات العسكرية التي شهدتها تركيا خلال اكثر من نصف قرن من الزمان.

اولى انقلابته كانت في العام (1960) بقيادة "البارسلان تركش" عندما أطاح بحكومة "عدنان مندريس" الذي يعتبر أول زعيم سياسي منتخب ديمقراطياً في تاريخ تركيا، والذي نفذ العسكر بحقه حكم الاعدام شنقاً هو ووزيرين من حكومته، لتوجهاته اﻻسلامية، ونصّب في انتخابات صورية عقب عام من الانقلاب رئيسًا جديدًا للجمهورية وهو الجنرال "جمال غورسيل" ، كذلك شهد العام (1963) محاولة انقلابية ثانية انما فاشلة، تزعهما الكولونيل "طلعت آيدمير" أدت إلى إعدامه سنة (1964)، وعاود في العام (1971) الانقلاب على الرئيس "سليمان ديميريل" الذي لم يكن على وفاق مع العسكر،لينقلب للمرة الرابعة في العام (1980) على الرئيس "فخري كورتورك" بقيادة الجنرال "كنعان ايفرين" بعد موجة عنف دامية شهدتها البلاد بين اليمين واليسار التركيين.. علّق الدستور التركي حينها، وأعلنت الأحكام العرفية.

انقلاب العكسر الخامس، جرى في العام (1997) بشكل "ناعم"، حين تدخل الجيش مجددا في السياسة، وأجبر الرئيس الاسلامي المنتخب "نجم الدين أربكان" على الاستقالة، بذريعة انه يعمل على "أسلمة" الدولة التركية، كما تم حل حزبه الإسلامي (الرفاه) ، ليصار الى تشكيل حكومة علمانية جديدة لاحقًا.

وبالطبع، فان جميع هذه الانقلابات العسكرية، كانت تنفذ تحت مبرر "حماية مبادئ الجمهورية الاتاتوركية"، وبحجج "صيانة الدستور"، وظل الجيش التركي سيفًا مسلطًا على أعناق القيادات السياسية التركية الحاكمة، يتدخل حيثما شاء، وكيفما شاء، وحينما يستشعر خطراً على الموروث العلماني الذي يعتبر نفسه وصياً وحارساً عليه.

تدخل الجيش في السياسة بانقلاباته المتكررة، تسبب بكوارث للاقتصاد التركي، وتخبط الدولة العلمانية وتراجعها، ولم يسجل التاريخ التركي الحديث لهذه الانقلابات أنها ساهمت بتحسين الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد وشعبها، بل على العكس تمامًا، كانت الحكومات التركية المتعاقبة في سبعينييات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي التي جاءت كافرازات لانقلابات العسكر، تعاني من عجز هائل في ميزانياتها، وتعتمد بشكل كلي على الاستثمارات الأجنبية، وظلت البلاد ترزح تحت وطأة الديون المحلية والأجنبية، وأخفقت حتى "الحكومات الائتلافية" التي شكلت لاحقا، بمعالجة المشكلات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها الدولة، وصولاً الى انهيار اسواق المال التركية سنة (2001)،قبيل سنة من صعود نجم "حزب العدالة والتنمية"، وتوليه الحكم سنة (2002) لتتغير معادلات الدولة التركية بشكل كلي وكامل.

أردوغان الذي وعى منذ تسلمه مقاليد الحكم في مستهل الألفية الثالثة، مدى النفوذ التاريخي للمؤسسة العسكرية في بلاده، ويعي أكثر أنها قد تتدخل في أي لحظة لتنحيته عن الحكم، كما نحّت "اربكان" قبله.. فهو الآخر يتجه نحو "أسلمة" الدولة التركية، الامر الذي لن يقبل به الجيش العلماني مطلقًا .. لذا، عمد اردوغان الى تقليم اظافر الجيش دستوريًا، عبر اجراء سلسلة من التعديلات التي هدفت الى تقليص نفوذ العسكر، والحد من هيمنتهم على الحياة المدنية والسياسية، واستطاع من خلال هذه التعديلات الدستورية إخضاع تصرفات الجيش لمراقبة البرلمان، وهو الامر الذي لم يكن ليحدث في تاريخ تركيا الحديثة.

أولى الضربات الدستورية التي تلقتها المؤسسة العسكرية التركية، كانت قبل وصول اردوغان للحكم اساسًا.. ففي العام (2001) حين بدأت تركيا مفاوضاتها لدخول الاتحاد الأوروبي الذي كان يرى في نفوذ المؤسسة العسكرية التركية عائقًا لانضمام تركيا اليه، اضطر الساسة الاتراك والعسكر، في العام (2001) الى اجراء العديد من التعديلات الدستورية، تناغما مع التوصيات الاوروبية، أبرزها وأخطرها على الجيش كانت التعديلات المتعلقة بمجلس الأمن القومي، الذي كان يحظى بصلاحيات دستورية واسعة تطال مختلف الشؤون السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والثقافية في البلاد، ويهيمن عليه العسكر ، وقضى التعديل الدستوري حينها بتوسيع عدد أعضاء المجلس من المدنيين، فاكتسى المجلس بصبغة مدنية على حساب العسكرية التي كانت سائدة ومسيطرة .. كذلك ألغت التعديلات الجدبدة إلزامية قراراته وجعلتها خاضعة لمجلس الوزراء، وهو التعديل الذي قلص من نفوذ العسكر، ووطأ بشكل قد تكون الاقدار قد ساقته لمجيء اردوغان لاحقاً !

أما اولى التعديلات الدستورية التي استهدفت نفوذ الجيش التركي في عهد اردوغان كانت في العام (2004) حيث قضت التعديلات التي أقرها البرلمان بإلغاء المحاكمات العسكرية للمدنيين، وإلغاء عضوية المنستبين للجيش (الجنرالات) من داخل مجلسي إدارة المجلس الأعلى للتعليم، واتحاد الإذاعة والتليفزيون، كما سمحت بمقاضاة قيادات الجيش في قضايا الفساد، بل وحظرت التصريحات الإعلامية في الشأن السياسي عليهم !.

الضربة الدستورية الثانية التي وجهها اردوجان للمؤسسة العسكرية كانت في العام (2010)، حين تم تعديل سلسلة من المواد الدستورية، نال العسكر منها نصيبًا موجعًا، أبرزها، التعديل الذي كان يتيح لقيادة الجيش ومجلس الشورى العسكري بفصل الضباط من الخدمة، الذي طالما كانت تستغله قيادة الجيش العلماني لطرد الضباط والافراد ذوو التوجه الاسلامي، فاتاح التعديل الدستوري الجديد للعسكريين بالتظلم أمام المحاكم المدنية، كما ادخلت تعديلات دستورية قضت بحصر مهام المحاكم العسكريّة بالنظر في القضايا المتعلقة بالشأن العسكري لا المدني فقط، وادخلت تعديلات اخرى على القضاء، ضيقت الخناق على الجيش وجنرالاته.

الضربة الدستورية الثالثة، كانت في العام (2013) حين تم اجراء تعديل دستوري جوهري وخطير طال "عقيدة الجيش" وحدد دوره ووظيفته، بأنه يدافع عن المواطنين "ضد التهديدات الخارجية"، بدلا من عقيدته السابقة بان وظيفته "حماية العلمانية" !

المؤسسة العسكرية التي وعت هي الاخرى انها مستهدفة، وأن نفوذها التاريخي بات مهدداً بالخضوع للقيادة السياسية للبلاد، حاولت في اخر انقلاباتها قبل أيام، أن تخضع القرار السياسي للعسكري مجددًا، وأن تستولي على مقاليد الحكم، دون أن تعي أن الزمان قد تغير، والظروف قد تغيرت، والشارع التركي الذي كان يصمت على مضض تارة، ويتوافق مع الانقلابات العسكرية تارة اخرى، لم يعد ذات الشعب التركي، الذي لامس تحسنًا مهولًا على واقعه المعاش في مختلف الصعد، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فتصدى للعسكر بصدوره العارية، واعتلى ظهور دباباتهم واحبط انقلابهم.

يمكن القول، ان ما جرى ويجري في تركيا الان، هو صراع ايديولوجي من جهة، بين موروثين متناقضين، الاول يسعى للمحافظة على القيم العلمانية اللادينية لأدارة الدولة التي أرساها اتاتورك في عشرينيات القرن الماضي، وينصب نفسه وصياً عليها، والاخر يسعى الى احياء الموروث الاسلامي الكبير للدولة التركية الذي استمر زهاء ستة قرون، واعادة الاحتكام له، أنما بطريقة ذكية سلسة، تعي أن "الدولة العميقة" ضاربة جذورها في كل مؤسسات ومفاصل مؤسسات الدولة .. وكذلك صراع المؤسسة الحاكمة مع "الدولة الموازية" من جهة اخرى، التي يقودها أتباع الإسلامي فتح الله كولن، القريبة ايديولوجيًا، بل الحليفة السابقة لحزب العدالة والتنمية الحاكم، والتي تحظى بامتداد وتأثير كبيرين لا يستهان بهما في المدارس ووسائل الإعلام والمؤسسات المالية التركية.

الاعتقاد بأن الخطر على مؤسسة الحكم في تركيا قد زال بفشل الانقلاب العسكري، خاطىء جدًا، ويحتاج الى اعادة الحسابات .. سيما وأن "الغريق لا يخشى البلل"، وورثة الراية العلمانية في الجيش ما زالوا يرتدون قبّاتهم الحمراء، ويتموضعون في ثكناتهم، ويدركون تمامًا أن المرحلة بينهم وبين المؤسسة السياسية الحاكمة قد وصلت الى "كسر العظم"، لذا ، فان ارتدادات زلزال محاولة الانقلاب، تفرض تحديات حساسة وصعبة وخطيرة على القيادة التركية ، أكثر من محاولة الانقلاب نفسها !

في المحصلة، يبدو ان الايام القادمة مرشحة لأن يتمخض عنها "سيطرة مطلقة" لطرف واحد على جميع ادوات اللعبة السياسية التركية التاريخية.. وبالتالي قد نكون امام مشهدين اثنين فقط : اما تركيا "علمانية" أو .. "اسلامية" !



تعليقات القراء

هيثم الجبور
كنت أسمع عن اردوغان عن طريق الاتراك والتجار ولكن عندما أصبحت في تركيا ورأيت التقدم والحضارة وأردوغان في عيون وقلوب الاترك اكتشفت ان كل ماكان يقال عنه حقيقة وواقع ونعم القيادة
22-07-2016 12:21 PM
محمد حسين العنانزه
استاذ ايهاب انت انسان محلل ممتاز وراقي نتمنى لتركيا السلامه
النفوذ الصهيوامريكي يجعل من تركيا ومصر دول مستهدفه لما لها من ثقل في مستقبل العالم الاسلامي
28-07-2016 09:25 AM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات