اغلاق

السنيد يكتب: درس تركيا في الاقليم المضطرب


خاص - كتب النائب السابق علي السنيد - فرق كبير بين الشعوب العربية التي نزلت للشوارع كي تنادي بسقوط انظمتها علنا، او ظلت تحمل وتكن مشاعر العداء والكراهية لها وتضمر لها السوء ، ويمنعها الخوف من الخروج عليها، وبين الشعب التركي الذي نزل للشارع مؤخرا كي يحمي النظام العام فيه، ويحول بين اي خطر يتهدد نظامه السياسي، وهذا مرده الى طبيعة اداء هذا النظام وكفاءته و قدرته على توفير منظومة الحقوق والحريات العامة لشعبه. وقد تمكن في عدة سنوات من رفع مستويات المعيشة الى حدود كبيرة، وقلص من نسب المديونية، وخلص الجهاز الحكومي من افة الفساد، والترهل الاداري، وادى الى ازدهار وتطور كافة القطاعات الاقتصادية ، وادار دفة الدولة باقتدار لصالح المواطن الذي تضاعف دخله اضعافاً فما كان موقفه الا ان يكون الى جانب هذا النظام الذي حقق احلامه الوطنية، ولم يقبل بالمس به من قبل الحركة الانقلابية العسكرية.

وسواء اتم التشكيك بما جرى فهذا يعد اختبارا حقيقيا للقاعدة الشعبية ، وهو درس لكافة انظمة الحكم في هذه المنطقة المضطربة التي ما تزال تعتمد النظرة القديمة في الحكم، والتي تقوم على اشاعة الخوف والرعب من الدولة لابقاء الناس في دائرة الخضوع والهيمنة، ومفاده ان النظام السياسي الكفؤ يحميه شعبه، وتكون الجماهير اكثر حرصا عليه من اجهزته الامنية، وما ذلك الا لان من يخدم الناس ويحقق مطالبهم وتطلعاتهم الوطنية سيحصد محبتهم والتفافهم، وهذه فلسفة الحكم في الانظمة الحديثة التي تقوم شرعيتها على رضى الجماهير، واشاعة العدالة في حياة الناس، وتتعزز من خلال قدرتها على العطاء والتفاني في تطوير حياة العامة، ويكون حماية النظام العام مصلحة شعبية بالصميم لان في ذلك ادامة لمستويات المعيشة المرتفعة، وما يتحقق من حريات وحقوق للناس في ظله، وهذه هي الارادة الشعبية في اشد تجلياتها. وهذا الشكل من العلاقة المؤسسية المتبادلة بين طرفي عملية الحكم تعبر عن عقد اجتماعي متماسك لا تستطيع اية جهة طامحة بالحكم نقضه ، فلا تملك القاعدة الشعبية الا ان تنحاز لحرياتها وحماية نظامها السياسي المعطاء، ومحال ان تلوذ بالصمت ازاء محاولات استهدافه او العمل على تقويضه.

وشتان ما بين انظمة تقيم علاقات طبيعية مع شعوبها، وتعبر عن ارادتها الشعبية، وتحقق احلامها الوطنية، وتدير عملية سياسية فيها تتيح لها ان تفرز افضل خيارتها الشعبية الى مواقع السلطة والنفوذ، ولا تتناقض في سياساتها مع مشاعرها الوطنية، وهي تستمد شرعيتها من خلال الية واضحة في الحكم تهدف الى خدمة الناس ورفع مستوياتهم المعيشية، وانظمة بائسة لا تملك نظرية في الحكم وهي تعتمد على سياسة الاكراه واستخدام العنف في السيطرة على الشعوب، وتعمل بسياساتها الخرقاء على تدمير قدرة هذه الشعوب على التحمل حيث تشيع في اجوائها الفقر والبطالة والمعاناة وتنزل بمستويات المعيشية لمواطنيها الى الحضيض لصالح طبقة الحكم المرفهة والتي تعيش حياة اسطورية مستفزة تعبر بحد ذاتها عن استهزاء بحياة الفقراء وحقهم في العيش الكريم، ويظل الشعب يصطلي بالضرائب والاسعار ورفع الرسوم فشتان بين حقيقة الموقف الشعبي لكلا النظامين، ومهما جرت من محاولات للالتفاف على ارادة الجماهير او تزويرها فستظهر للعلن مع اية فرصة المشاعر الحقيقية للناس. فمن يعطيهم من قلبه فسيقابلوه وفاءا بوفاء، ومن يستخدم السلطة في نهب خيرات الشعوب وتسخيرها في خدمته فسيجد القلاقل ومؤشرات الاضطراب حاضرة في ارجاء مسيرته السياسية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات