اغلاق

عين سويلم


وقف الرجل العجوز أمام المرآة القديمة في غرفته التي تتوّسط الحوش ، ولم يكد يميّز صورة وجهه من كثرة العيوب التي لحقت بالمرآة . أصلح من وضع الكوفيّة البيضاء على رأسه وفوقها العقال الأسود القديم ، ومسّد بيده الهرمة على ثوبه وأصلح من وضعية الحزام الجلدي الأسود الذي اشتراه منذ زمن بعيد من السوق القديم ولا يزال ينفع في شدّ وسط الرجل العجوز ، وأدخل في قدمه حذاءه ذو الأصبع وأمسك بيد اليسرى عصاه التي يتوكأ عليها . أغلق وراءه باب الغرفة بأحكام ، واجتاز باب الحوش الذي تعوّد أهل الحوش على ضياع مفتاحه ،. تلّفت بعد الباب يمنة ويسرة ، ثمّ عزم على المضي الى الأمام في الطريق الذي يوصل الى القلعة العثمانيّة ، عندها لاحظه حفيده الشاب .

عرف أن جدّه الذي كانوا يعتقدون أنّه أضاع عقله منذ زمن ينوي الذهاب الى المكان نفسه الذي تعوّد دائما محاولة الذهاب اليه ، مع أنّ الجميع كانوا يمنعونه من ذلك خشية ضياعه ، فسأل جدّه العجوز ، الى أين يا جدّي ، أجاب وكما كان يجيب دائما ، ومن دون تردد الى عين سويلم أتعرفها ، تردد الحفيد بالكلام ، فقد كان دائما يحاول أن يشرح لجدّه العجوز أن العين ما عادت موجودة منذ زمن ولكن من دون فائدة ، وقرر هذه المرة أن يرافقه الى عين الماء التي يبدو أن لها ذكريات في قلب جدّه ، تأججت مع السنين وتقدّم العمر ، وقرر أن يسأله ، لماذا يحب دائما أن يذهب الى هناك ، وليس في المكان شيء مميّز ، وما السرّ وراء ذلك ، ولكن الرجل العجوز أشاح بوجهه ولم يجب بشيء .

تعب الجد من المسير فجلس على حجر يستريح . أمال رأسه الى جدار وأغمض عينيه وكأنّه يتذكّر شيئا ما ، عندها مرّ رجل من أهل المدينة ، سلّم وجلس ، وسأل الفتى عن حال جده ، وقال لجدّك هذا قصّة عظيمة مع عين سويلم التي بناها الأتراك لتروي البساتين الحجازية ويشرب منها الناس ، ويقال أن من أشرف على هندستها اسمه سويلم , وكان جدّك في شبابه قوّيا ، يتسابق مع شبّاب المدينة على الخيل فيسبقهم ويرتحل من نجد الى فلسطين على قدميه ولا يتعب ومعه قطيع من الغنم ليبيعه هناك ، وكان يأتي الى عين سويلم دائما مثل كلّ أهل المدينة ، ويوما شاهد فتاتين تردان على الماء ومعهما قربتيهما فأعجبته واحدة منهن ولكن في تلك الأيّام لم يكن الشاب يقترب من الفتاة أو يتحدّث معها الاّ يوم الزفاف ، وطلب من أمّه أن تخطب الجميلة منهن اليه ، فتمّ ذلك وفي يوم الزفاف أكتشف أن زوجته ليست التي يريد ، ولكن أختها الكبرى ، فقد كانوا لا يزوّجون الصغرى قبل الكبرى ، وكانت تقلّ كثيرا في جمالها عن أختها ، غضب قليلا ثمّ رضي بما قسمّه له الله .

انّها جدّتك رحمها الله التي أحبّها جدّك بعد الزواج فكانت نعم السند له ، تحفظه في غيابه الطويل عن غرفتهما ، تقيم صلاتها وتصوم شهرها . وتربّي أبناءه تربية حسنة ، ولم تشتكي يوما من نقص في الطعام ولا في اللباس . وكانت ماهرة في اعداد الطعام . لم ترفع عليه صوتها ، ولم تجادله اذا كان غضبان ، ولم تفتعل مشكلة مع سكّان الحوش في حياتها . احترمها كلّ من عرفها وحسد جدّك عليها ، ولمّا ماتت أخذ جدّك كلّ يوم يذهب الى عين سويلم علّه يسعد بلقائها . عد به الى غرفته فما مضى لن يعود أبدا .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات