اغلاق

"ذيبان" تلقن الملقي درساً في السياسة !


ايهاب سلامة - إذا ظلت حكوماتنا تراهن على "صبر" المواطنين وتحملهم قراراتها الاقتصادية التي يرزحون تحت وطئتها جيلا بعد جيل حتى استنزفت واستنفذت مخزون تحملهم وقدرتهم وصبرهم.. فهو في هذه المرحلة واللاحقة، رهان خاسر، ويتوجب على مطبخ القرار إعادة حساباته، وفق المعطيات المستجدة على الأرض، التي تفرض منحىً مغايرا للتعاطي معها، لتفادي حساسية بل خطورة المرحلة.

وإذا كانت حكومة الملقي، تراهن أيضاً على "حرص" المواطنين بعدم الانجرار لمشاهد قريبة محيطة بنا، عبر ذات الخطاب الديماغوجي الذي لم يعد مؤثراً كسابق عهده، فحري بها، وبمستشاريها، رصد حركة الشارع جيدا، والتقاط إشاراته الانفعالية غير المسبوقة والمعتادة بهذا المستوى المقلق، عبر مواقع التواصل تحديدا، والجلسات المغلقة والمعلنة، كما حري بها إعادة قراءة المشهد سياسياً وأمنياً، بحكمة وحنكة، وطريقة واعية وواعية للغاية، وتدارك أمور ربما ليست في حسابات السادة الساسة !

الأزمة التي وقعت في ذيبان مؤخراً وانتهت اليوم أحداثها على خير بتدخل عقلاء لاحتوائها، عكست خلال الأيام الماضية ردود أفعال للشارع بشكل فوري قوي متناغم، عبر مواقع التواصل تحديداً، التي باتت حكومات العالم الذكية، تقرأ نبض شارعها من خلالها، وتقيّم حركته وتوجهاته ومخاوفه فيها ومنها، وترصد مساراته وتستقرىء مآلاته، لتبني سياساتها بما تتماشى معه إلى أقصى الحدود الممكنة.

على رئيس الحكومة هاني الملقي، إدراك حالة التوتر والتوتير غير المسبوقين في المشهد الشعبي، الذي بات يعج بحالة من الاستياء والغليان وبلغ فوهة بركانية لم يسبق رصدها حتى إبان فترة "الربيع العربي" بغضبه وفوضاه وانفعالاته وجنونه..

وكي لا أقع في فخ الخطاب الديماغوجي الذي أحذر منه، فإنني مدرك بشكل علمي محسوب تماما، حجم المسؤولية الملقاة على أي حكومة أردنية ترزح دولتها تحت مديونية تفوق الخيال، كما أدرك أن الحلول ليست سهلة أبدا، أمام أي رئيس وزراء يرث خزينة مَلأى بصكوك الدائنين التي تكسر ظهر جبل ..

إلا أنه رغم ذلك، فإن مبلغ الحكمة وذروتها، أن لا تتوقع أي حكومة تتخذ قرارات اقتصادية صعبة وقاسية، تنعكس بشكل مباشر على معيشة المواطنين المثخنة، ردود أفعال راضية عليها، وهم الذين وصل حال سوادهم إلى مرحلة ما تحت الفقر المدقع، بل الحكمة عينها أن لا تتخذ الحكومة قرارات لاحقة لقرارات قاسية، كما شهدنا في لواء ذيبان مؤخراً، من شأنها زيادة توتير الشارع واحتقاناته، بدلا من احتوائها وتصريفها، برجاحة ووعي وبصيرة، وبالإدارة السياسية الحصيفة الحكيمة التي عبرت بسفينة الأردن أمواج الربيع العربي المتلاطمة بفضل الله قبلها، بل وإثبات أنها حكومة قادرة على تغيير واقع دولتها ومواطنيها نحو الأفضل، فعلا لا قولا، عبر ابتكار حلول خلاقة استثنائية، والعمل بكد وجد لانتشال البلاد وأهلها من واقعهم الاقتصادي المتردي.

بالحديد والنار، والقبضة الأمنية الصارمة، كما جرى في ذيبان، ورغم قراءات أمنية أعلنتها جهات حكومية وأمنية، لها تقييمها وحساباتها وتقديرها الخاص للموقف، سواء نتفق أو نختلف معها، ليس مهما بقدر أهمية إدراك الحكومة جيداً أن نهج القوة والقمع قد ولى زمنه .. ولا يتوافق مع حكمة حكومات تتخذ قرارات اقتصادية غير شعبية تمس عصب حياة المواطنين وتنعكس سلباً عليهم.. والأجدى لها وبها، ممارسة "الاحتواء الناعم"، إلى أبعد حد، لإخماد نيران كانت هي سبباً في إشعالها أساساً، بدلا من التأجيج وصبّ الزيت على لهيبها..

ولكي نضع الأمور في نصابها الحقيقي بأمانة وإنصاف أيضا، فان مشكلة البطالة في المملكة ليست مناطقية، ولا تقتصر على محافظة دون الأخرى، بل هي مشكلة وطنية، وتتعداها للعالمية، حيث دول العالم بأسرها تواجه ذات المشكلة، مع فارق أكيد بأن أبناء النواب والذوات عندنا، لهم أولوية التعيين بأفضل الوظائف والمناصب على حساب أبناء الكادحين والحراثين، خلافاً للعالم المتحضر الذي تكون الكفاءة فيه معيار التوظيف، لا المحسوبيات القميئة و"كرت غوار الطوشة".

يجب أن تعي حكومتنا ورئيسها جيداً، أن عقلية المواطن الأردني قد تغيرت وتطورت.. ويتوجب عليها وعلى رئيسها التعامل معها بوعي يرتقي إليها، ووفق مقتضيات اللحظة الراهنة، لا سياسات العهود الغابرة المنقرضة التي لم تعد مقبولة شعبياً أبداً..

في ذيبان، لو كنت صاحب قرار لأوعزت بإرسال إفطار رمضاني يوميا للمتعطلين المحتجين في خيمتهم، بدلاً من إرسال القناوي والهراوات .. لا منّةً لا قدر الله أو انتقاصاً، إنما ليقيني المطلق أن الأردنيون لا ينصاعون للعصي والقوة، فلم يكن هذا ديدنهم يوماً، التي أنشأتهم عليه دولتهم، وتاريخهم، بل وخصّصت بضعة ملايين لذيبان وكل محافظة، لإنشاء مشاريع إنتاجية متوسطة مدروسة، تحت إشراف مؤسسات الدولة، تدر دخلاً، وتوفر فرص عمل، ولو اقتطعنا رساميلها من بعض مؤسسات الهيئات المستقلة التي لا مبرر لوجود العديد منها اصلاً ..

باختصار شديد، الحل لأكبر مشكلة يكون متوفراً ويسيراً إذا ما صفيت النوايا أولاً.. وبالحوار لا بالقمع ثانياً، والحكمة لا بالغلظة، وحساب الأبعاد والتبعات والنتائج سلفاً، قبل اتخاذ أي قرار متسرع وربما بعده، يصبح الحل في المرات القادمة مستعصياً ومستحيلا !.

كاتب وصحافي، رئيس تحرير مجموعة جراسا الاعلامية.



تعليقات القراء

موسى العموش
ابدعت اخ ايهاب سلامة قلت ما بقلب كل مواطن مقهور طفران وهم 90 بالمئة من هذا الشعب نعم ما جرى حولنا عبرة لنا ولكن ايضا عبر لصاحب القرار هنا ايضنا كيف دمرت دول بسبب غرور وتكبر وعدم استجابة للشعب فانقلبت عالكل ووطننا غال علينا
26-06-2016 09:33 AM
ديماغوجي
ما معنى ديماغوجي يا كاتب الموضوع
26-06-2016 12:17 PM
المواطن
الحل بسيط و موجود من سنين
1- الغاء جميع المؤسسات المستقلة والتي عجزها 2 مليار والتي ليس لها اي مبرر
2- الغاء جميع انواع التقاعدات للوزراء و النواب و الاعيان و غيرهم والذين لم يكملوا سنوات التقاعد العسكري و الحكومي
3- عدم السماح بجمع تقاعدين و اختيار ايهما اعلى
وبعد ذلك افرض كل انواع الضرائب ما حدا راح يحتج , هذة هي الحلول اذا كان هنالك جدية في الخلاص من المديونية
26-06-2016 02:03 PM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات