اغلاق

إعادة إنتاج التاريخ .. "داعش والغبراء" وسيناريو الدم الاسرائيلي !


كتب : ايهاب سلامة .. لم يعد الكيان الصهيوني الان مصنفاً في خانة أعداء الشعوب العربية بتاتاً، ولا ضمن أولوياتها، كما لم يكن من الأساس لدولها وأنظمتها وجيوش بلادها، وعادت العداوة الأزلية لحالتها التاريخية الطبيعية كما كانت.. عربية عربية بلا فخر، وجاهلية مذهبية طائفية، ورجعنا لـ "غزواتنا" التراثية، وأعدنا إنتاج "داحس" بداعش، و"الغبراء".. بمليشيات الحشد المقدس .

لقد عادت الأمور إلى نصابها الحقيقية.. وتجسدنا جينات أجدادنا الخوارج، وأعمامنا الحشاشين والفاطميين والقرامطة، وأخوالنا ملوك الطوائف.. الساكنة في أصلابنا قروناً، فلا أهلاً بها وبنا، ولا سهلا ..

إنها العصبية القبلية عادت تتسيد المشهد رغم أنف الألفية الثالثة، ورغم تحضرنا المستورد المزعوم الكاذب، ورغم رغم الهواتف الذكية التي نخوض منها وفيها فتوحاتنا الفيسبوكية صبح مساء، ونحن مهزومون غارقون بوحل فولكلورنا الدموي العروبي على امتداد بقايا مساحات الوطن العربي الآفل.

الاعلام العربي بدوره لم يقصر في نشر نظرية "شاس بن قيس " لاثارة الوقيعة بين القبائل مجدداً.. وما زال العجوز اليهودي الهرم يذّكر أبناء الامة بدماء "الأوس والخزرج".. ويثير عداوتهم وحميتهم والبغضاء بينهم .. والنبي الاكرم الذي صدّ فتنته بحكمته : "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم" .. لم يعد أحد بعده يرد كيد العدا عن أمته ..

ولأن العدو الصهيوني يحفظ درس التاريخ العربي جيداً، ويعي تماماً مطبّاته وزلاّته وثغراته ونعراته، ويعرف مكونات "طبخته"، ووصفتها الدقيقة، وكيفية إعدادها وتحضيرها وإشعالها.. منذ "بكر وتغلب" و"حرب البسوس" .. ويدرك أن النزعات والنزاعات القبلية الطائفية المذهبية، هي فخر الصناعات العربية، وموروث قبلي بامتياز، لا أسهل من إعادة استحضاره، واستدعائه من ذاكرة التاريخ فوراً.. فالقبائل ما زالت تترصد بعضها منذ مئات القرون ، والرماح مسننة، والخيول على أهبة الاستعداد للغزو .. و"دريد بن الصمة" ما زال يردد مخموراً : وهل أنا إلا من غزية إن غـوت... غويت، وإن ترشد غزيـة أرشد !

إزاحة آخر كيانات الاحتلال في الكون من مشهد العداوة، وتحويل بوصلة الشعوب العربية عن "تل أبيب" إلى العواصم والشعوب العربية ذاتها وبينها، وخلق بيئة محيطة بدولة الاحتلال، مشتتة متناحرة مفتتة، منشغلة بحروبها الداخلية وانقساماتها، لاستنزاف قدراتها ومقدراتها، هو الضامن الأوحد، لبقاء الكيان العبري الدخيل مهيمناً مسيطراً على المنطقة برمتها، دون أن يطلق جيشه رصاصة واحدة !.

نقل ساحة الصراع المفترض من فلسطين المحتلة، إلى سوريا ومدنها وقراها، والعراق وموصله وبصرته، لليبيا واليمن ومصر ولبنان وغيرها .. ونقل إعلامه المدجج بالكاميرات إليها، نجح بصورة لا يتخيلها ابليس نفسه !

الخطة حيكت في ليلة أسود من ضمير شيطان .. وقضت بداية بوجوب "سلخ" القضية الفلسطينية عن جسد ألامتين العربية والإسلامية، عبر إدخال من نابوا عن الفلسطينيين حينها، بمفاوضات غير متكافئة مع عدوهم، بحيث يتمخض عن تواقيعهم ، كياناً فلسطينياً مسخاً مشوهاً، تتحمل مسؤولياته سلطة مفلسة عاجزة، بلا موارد أو مُساند، ولا سيطرة لها على أرضها أو بحرها ولا سمائها، بل ترغمها ذات التواقيع في فتوحات أوسلو ومدريد، على تحمل مسؤولياتها بحراسة طرق المستوطنين والمستوطنات الصهيونية، واعتقال كل فلسطيني يحلم في نومه بفكرة تسمى "مقاومة الاحتلال" الذي صار اسمه بفضل "أبطالنا الأشاوس" .. "شريك سلام".

فصول الحكاية قضت أيضا باراحة الأنظمة العربية من وجع رأس مزمن يسمى فلسطيناً، ومنحها ذريعة للتخلي عن مسؤولياتها الصورية المزعومة أمام شعوبها، تجاه مقدسات الامة وقضيتها المركزية، وربط حبل القضية في أعناق أبناء القضية وحدهم، وسلطتهم المصطنعة التي استمدت شريعتها ذات يوم من بنادق المقاومة في بيروت وتل الزعتر وعين الحلوة.. ولم تعد شريعتها تساوي قرشاً، بل سقطت حكماً منذ تبنى "منظمة التحرير" الغابرة، خيار "السلام هو الخيار الوحيد والاستراتيجي" .. مع عدو استراتيجي، بدلاً من خيار "الكفاح المسلح".. وألقت بنادقها لاقامة دولة ورقية لا تساوي في سوق الدول ثمن الحبر الذي وقعوا به عليها، فخسرت السلاح والمقاومة.. مثلما خسرت "معركة السلام" بالمفاوضة.!

بعد طي "ملف القضية"، كان يتحتم الانتقال إلى المرحلة الثانية.. التي تنص على توفير بيئة محيطة متفجرة للكيان المحتل، تكفل أمنه، عبر اشغال أبناء العم ببعضهم، كما تضمن تفوقه، وسيطرته على كل القبائل المتناطحة المستنزفة، التي لن يكون في اجنداتها وقت لا لفلسطين ولا لعدو صهيوني ولا غيره، فهي مشغولة بالسبي والغنائم وسفك دماء نسائها وأطفالها، وتحرير مدنها العربية من يد ابنائها واخوانها العرب.!

وبعد 1400 عام على مقتل علي ومعاوية، الا أن استحضار الثارات العربية والفارسية معها، من ذاكرة التاريخ الاسود سهل للغاية.. فالقلوب لم تصف يوما لبعضها، وابناء القبائل متحفزون متعطشون لاراقة دم عثمان مجدداً .. والبنادق مخرطشة جاهزة لاطلاق نيرانها، ولا تفرق برصاصاتها بين أبي لهب وأبي بكر، ولا حتى النبي صلوات الله عليه وسلامه !

المشهد الدموي العربي الان بدأت تتضح فصوله، بتفتيت الأمة كلها وإعادة تشكيلها وفق مصالح الكيان الصهيوني اولاً، ومصالح الغرب ثانياً، واستنزافها لاخر قطرة، وستستنزف حكماً وحتماً..اذا ما ظل أفيون القبيلة معشعش في رؤوس أبنائها، وظلت لغة الدم والموت فيها وبينها سائدة، وبقي رحمها عاجزاً عن انجاب أجيال مغايرة، وشعوباً قادرة على تحمل مسؤولياتها الوطنية والقومية بعيداً عن التبعية والضعف وارتهان قرارها بيد أعدائها ..

دون ذلك لا امل يلوح في الافق الذي لا تشي تباشيره سوى بالويلات والثبور واللون الاحمر ..

واذا لم تفق هذه الامة، ويدرك ابناؤها انهم يعيشون في مرحلة تاريخية مفصلية غير مسبوقة ابداً، تفصل بين البقاء والفناء، مع غياب الرموز والقيادات السياسية والدينية والشعبية والنخب الوطنية المؤثرة القادرة على لم الشمل مجدداً، ووقف شلالات الدماء، واتخاذ زمام المبادرة، لانتشال الامة من براثن السقوط الذي لن تقوم لها إن سقطت هذه المرة بعده قائمة..



تعليقات القراء

رائد ابوعبدالله
التاريخ يرجع نفسة للأسف ووقفة على الجرح وصلة الفكرة يسلمو ابو محمد الله يقويك
19-05-2016 02:42 AM
ايمن المجالي
سرد مشوق ولغة راقية جميلة وتوصيف دقيق جدا لاحوالنا. بوركت استاذنا
19-05-2016 05:13 AM
احمد علي
بالفعل أبدع الكاتب في وصف الواقع العربي، وهو واقع مؤسف ولا يتعلم العرب من التاريخ وكما قال موشي دايان سابقا ان العرب لا يقرأون واذا قرأوا فانهم ينسون
19-05-2016 08:51 AM
محمود حمارنة
دقيق....واضح...الحل المقترح في الفقرة الاخيرة غير متوفر
تمنيت لو انك عرجت على الانظمة المسخ والشعب المصفق المنافق الجاهل المتخلف الذين اعادوا انتاج البسوس
ابو لهب كان صاحب رأي اقتصادي ولم يقتل احدا
ابو جهل صاحب رؤيا في التركيبة الاجتماعية لمجتمع الصحراء كان لا يريد لها ان تتفكك بهذه السرعة
جيناتنا لا تصلح للنوع الادمي
19-05-2016 12:33 PM
حسام العمري
أستاذنا الكريم,بارك الله فيك من رجل يشعر بأمراض أمته و لكن لي سؤال عندك ما هو الحل, في كلامك انت كالطبيب وصفت الداء ولم لا تصف الدواء أليس لك رأي في الدواء لم لا تضعه على طاولة البحث أم انك تريد أن نضعه نحن . من ناحيتي الحل واضح في عودة تطبيق الشريعه الاسلاميه بخلافة على منهاج النبوة يبدأ الحل و ما عداه مستورد يعيدنا الى نفس المشكله وها نحن نحاول منذ 100 عام .
19-05-2016 01:05 PM
رانيا دراوشة
ابداع مطلق
19-05-2016 03:24 PM
الـمـثـنـى
عندما سُئِل سلمان الفارسي عن نسبه قال :

أبي الإسلام لا أب لي سواه
إذا افتخروا بقيس أو تميم

نعم ، هي الأخوة الإسلاميةالتي تخلصنا من الطائفية فتنة الحاضر و المستقبل و المرض السرطاني الذي يهدد مجتمعنا العربي من المحيط إلى الخليج و يدمر الشعوب .
19-05-2016 09:56 PM
شاكر محمود
الكلام الذي خطه الكاتب فيه كثير من الصحة .. ولكنه جانب من جوانب التحليل..
لماذا لا نقول ان ما يجري هو تصحيح اجباري لعلم التاريخ... ينقل حقيقة المعركة بيننا وبين الصهاينة والمستعمرين الى مربعها الاول:
1- من قال ان نظاما سفاحا مستبدا وطائفيا وعميلا وخائنا ولم يطلق رصاصة على الصهاينة اكثر من اربعين سنة انه نظام مقاوم وممانع؟؟!! اي زمن قبيح ذاك الذي كانت الشعوب تردد فيه هذه المقولة؟! نعم d[f ان يعتذر هذا الزمان وسابقه والتاريخ نفسه عن جريمة مدح المجرم.
2- من قال ان الخبث في جسد الامة ظاهرة صحية يتعايش فيه الخلايا السرطانية الخبيثة القاتلة مع تلك الخلايا السليمة؟؟؟!! هذا على الرغم من سماحة اخلاق اغلبية الامة وحلمها وصبرها وعلمها بحقيقة الطاعنين الا انها مع ذلك لا تتبنى الاستئصال ليبقى مجال لهم للتوبة والعودة.
3- انا ارى ان عداوة الصهاينة لنا لم تكن اوضح مما هي عليها اليوم . ومنذ بداية الثورات قال المجرم اوباما ان سورية ليست كتونس ومصر !! تماما مثلما قال السفاح بشار !! ان شعب سورية المنكوب لم يكن ليتعرض ما تعرض له من فظائع واهوال لولا مباركة الصهاينة لفعل العميل بشار.
20-05-2016 05:42 PM
ماهر ابو شقره
كما هو واضح للجميع كل مآسي الامة العربية بدأت عندما زرع هذا الكيان الغاصب في خاصرة الامة العربية واصبح كالسرطان يدمر كل ما يحيط به لذلك اي حلول لا تتضمن التخلص من هذا الكيان سنبقى تدور في نفس المكان هذا ان بقي لنا مكان
20-05-2016 08:37 PM
احمد ابو الدون
ماساة استاذ ايهاب في الغرب ام في داعش هذه كلها لها حل واحد وهو ان نتحد واذا اتحدنا يمكن حل كل هذه الامور صدقت مقال في غاية الروعه والاهميه وايضا استاذ لماذا لا نقول ان ما يجري هو تصحيح اجباري لعلم التاريخ... ينقل حقيقة المعركة بيننا وبين الصهاينة والمستعمرين الى مربعها الاول
22-05-2016 05:24 PM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات