اغلاق

"ألمْ تسمع في الريح دُعَاء أمي"


إلى كلّ سِلال الورد ، إلى الشفاه العالكات جوريّ الحجر ، إلى تلك الأكفّ التي لم تكفّ (عن حمل قلبي) ، إلى تلك العيون الراقدات على مرقدي ، والهامسات "آيا عين أرقدي" ، إلى أول الحبّ وآخره ، إلى أول امرأةٍ تعرّفتُ عليها ، إلى أول قُبلة وقِبلة ، إلى تلك التي كانت تطاردني مكالماته التسعون كلّ يوم ، إلى أول سيدةٍ لم تخلف معي موعدها ، إلى تلك الغافية على صدر القمر لتربّي ظفائره ، إلى "أمّ العيد" أكتب ، إلى روحكِ أميّ ....

آيا أمي ؛ أزيحيْ الورد عن صدر نعشك ، لأغفو كطفلٍ على ورد صدرك ، أزيحيْ الدمعَ عن جفن عينك ، لأسيل دمعاً على رمش جفنك ، وأفكّكيْ مربط الموتِ عن كاف كفّك ، واحمليني طفلاً على زاوية زندك ، وارفعي تراب اللحدّ عنكِ ، واتركي قلبي تحتَ رأسك ، آيا أمي ؛ أطفؤا السماء بعدك ، فأنيري السماء بقانديل شَعْرِك ، آيا من حملتِنْي في بطنك وهناً على وهنٍ ، وَيَا من حملتُكِ إلى اللحدّ على الأكتاف وهناً على وهنٍ ، أهٍ كم وددتُ حينها أن أهربَ بكِ أو معكِ ، سحقاً لعادات الموت وطقوسه ....الموت هو أصدق إختبارات الحبّ .

هي ثلاثة أعوامٍ ونيّف ، وما زلتُ أزور السرير رقم (٦٠) في المشفى ، كما يزور الصوفيّ مراقد الصالحين ، وما زلتِ ترقدين هناك كالقمر على شيفونيّةٍ بيضاء ، وما زلتُ أغضضُ من أنفاسي فَوْقَ رأسكِ ، خشيةَ أن أخذ قطعة هواءٍ أنتِ بحاجةٍ إليها -تماماً كما كنتِ تفعلين معي- ، ما زلتُ لليوم يا سيدتي أرقبُ جهاز تخطيط القلب ، تلك الإنحناءات التي توقّف قلبي عندها اللاف المرّات ، ثلاثة أعوام مرّت على توقفه ، وما زلتُ أهزّه آملاً بأن يعمل من جديد ، في كلّ مرّةٍ أعود فيها إلى هناك بحثاً عن رائحتك ، اسمع الجدران البيضاء تعيد ترتيل سورة " يوسف" والتي كنت أتلوها على رأس الموت لعلّه يخطئ وجهكِ ويرحل ، أسمع أنينَ المقعد الحديدي ، الذي لم يكن يقوى على حمل قلبي الثقيل .... ويموتون كي يعلموا كم كنّا نحبّهم .

وتنتهي زفّة الموت ، وتأخذ قافلة المنايا عروسها ، كإكليل وردٍ يرشّ السُّكَّرَ على قانية القدر ، ولأول مرّة ومنذ سبعةٍ وعشرين عاماً أعود إلى البيت ولا أجدكِ تنتظرينني هناك ، كطفلٍ يحملُ حقيبته المدرسيّة أعود ، جميع ما في المكان يتهمني بكِ ، مقبض الباب يشدّ على يدي سائلاً عن يدكِ ، وياسمينةُ باب البيت تسألُ عن ساقيتها ، وقطة الدار تطالع صحنَ الماء بماء مآقيها ... جميعنا صِغار أمام صدور أمهاتنا ؛ يا أمي.

إلى من قاسمتنا عظامها ولحمها وجلدها ، إلى من قاست ألمَ الموت لتمنحنا الحياة ، إلى من ترانا أطفالاً حتى تزوَّجنا وبعدها ترانا أطفالاً أكثر ، إلى من تجرّعت أشواك الورد ، لترضعنا ماء الورد ، إلى من بنى الله الجنّة تحتَ قدميها ، إلى كلّ الأمهات أكتب "أنتنّ عيدُنا"....

حمزة الفقهاء



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات