اغلاق

الفكرة الداعشية المطلقة


عندما رفض الامام القشيري رحمه الله الموافقة على الصلح مع المتشددين في الفتنة الكبيرة التي اجبرت امام الحرم الجويني رحمه الله للرحيل من العراق الى مكة لمدة عشر سنين قال القشيري: عن أي صلح تتحدثون ؟

أي صلح يكون بيننا ؟! إنما يكون الصلح بين مختصمين على ولاية أو دنيا.. أو تنازع في ملك... ، فأما هؤلاء القوم فإنهم يزعمون أنّا كفار (!!)

بشّر رسول الله ﷺ بخلافته من حيث العلم وحراسة الدين وصونا لتعاليمه السمحة بمن يَعضُّون عليه بالنواجذ في وقت يكون القابضُ على دينهِ كالقابض على الجَمر قال رسول الله – ﷺ- : " قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ"

اشارةً منه ﷺ لانفلات واضح من الدين الصحيح بين المسلمين في هذا الزمان باضفاء افهام لم تكن في هديه ﷺ ومقاصد الشريعة المطهّرة ..

افهام لم تستوعب تَغَيُّر الزمان والمكان في سياق حركة التاريخ ضمن جدلية معقدة لا تسمح للسيء في البقاء في صراع دائم مع قوى الظلام في كل زمان!! لذلك قال ﷺ :

«يحملُ هذا العلم من كل خَلَف عُدوله , ينفون عنه تحريف الغالين , وانتحال المُبطلين , وتأويل الجاهلين»

اشكالية الذهنية الاسلامية الحديثة لبعض التيارات المحسوبة على الاسلام انها تتنازع بين اتجاهين في تفسير النصوص ، الاتجاه الظاهري والاتجاه المقاصدي فالاول يجريى النصوص على ظاهرها بعدم الالتفات الى ما وراء تلك النصوص من مقاصد والثاني ينظر الى ماذا يقصد الشرع القويم من هذه النصوص برؤية احاطة لكل النصوص معا .. والحقيقة انه كلما كثر الاتجاه في النظرة الظاهرية كلما نقصت ميزة المقصد الشرعي وبالتالي يكثر اندفاعنا نحو فهم مغلق يلغي مسألة تجديد الخطاب الديني واخضاعه للزمان والمكان باستئناس مناسبة قصة النص للمرويات الحديثية واسباب النزول للايات
هذا الفهم الاغلاقي لمقاصد الشريعة أدى الى فهم متطرف في مسائل جاز فيها الخلاف فانبرى طرف بأخذ ما هو متشدد من افهام على حساب تنقيص من قدر وتقليل من الفهم الذي يرى المقاصد الشرعية كأولوية في حفظ النفس البشرية من الهلاك!!
والحقيقة ان اصحاب هذا الاتجاه قد الغوا العقل في الاجتهادات فلم يعد له تأثير على الرغم ان المطالبة بالتدبر في ايات الله لم تخضع لزمان او مكان او قوم عن قوم فالخطاب الرباني في القران موجه لكافة الناس:{ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن} و { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .. فقوله أفلا يعقلون - أفلا يتفكرون - أفلا يتدبرون .. يشير للمسلمين كافة في كل زمان ومكان ولا يقتصر على مرحلة تاريخية لها ما لها وعليها ما عليها... "إن مذهب أهل القياس، أقرب إلى الترقيات العصرية، وتطورات الزمان والمكان، والحال بخلاف الظاهرية، فإنه مخالف لناموس العمران والمكان والاجتماع البشري المبني على النظر للمصالح العامة" ([1])

ولذلك نبت نبتةُ شذّ أولهُا فتطرّفَ آخرُها بل اجهد نفسَه في تطويع النصوص وتوظيفها على أمل ان تخدم مشروعه في النيل من الامة واسقاط هيبتها .. وهذه النبتة تثمر اليوم "داعشية التفكير" ومنهجاً متطرفاً، يحرفون النصوص بأهوائهم وفهومهم المتجمدة ، مما أدى الى صورتين قبيحتين : صدامية ذهنية لا تفرق بين دار الاسلام ودار الكفر واحكامهما على الرغم من ان هذا التقسيم كان سياسيا ولا يوجد عليه حجة فقهية، ومنهجية تفكير أغلقت باب الاجتهاد، وانتقائية في النصوص المتطرفة.. كما سأبين مثالا لاحقا..
فرموا المسلمين بالتبديع اولا ثم انتهض فيهم التفكير حتى رموا الناس بالكفر والشرك ، وهذا من الأعمال المنكرة والمحرمة التي يقوم بها التكفيريون ضد كل من يختلفون معهم في المذهب أو الرأي أو المنهج أو الفكر.
وهذه بذرة التكفير لمن أراد -فعلا- محاربة افكار لا محاربة اشخاص فتفنيد الفكرة سيقود حتما لاسقاط الشخوص تلقائياً..
لقد أقحموا الاعمال الصالحة في أصل الايمان او مطلق الايمان وهو الإقرار بالشهادتين واعتقاده بالأصول الاعتقادية المتفق عليها من الدين بالضرورة وبنوا عليها فروعا ثم حولوها الى أصول !! بخلاف ما اتفق عليه المسلمون واجمعوا عليه ان الاعمال الصالحة هي مطلق الايمان اي كمال الايمان وانه يزيد وينقص في هذا الحد من الايمان المطلق..

قد يأتي في كثير من النصوص تكفيرا او في اقوال بعض العلماء ولكن لا يحمل على التكفير الذي هو ضد الايمان الا اذا خالف دليلا قطعي الدلالة قطعي الثبوت بل انهم يحملونه على معنى تغليظ العقوبة او التشنيع عليه على اعتبار انه فعل من افعال الكفار!! وهذا ما اختاره القاضي عياض في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) قيل في معناه سبعة أقوال : أحدها : أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق ، والثاني : المراد كفر النعمة وحق الإسلام ، والثالث : أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه ، والرابع : أنه فعل كفعل الكفار ، والخامس : المراد حقيقة الكفر ومعناه لا تكفروا بل دوموا مسلمين ، والسادس : حكاه الخطابي وغيره أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح ، يقال تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه . قال الأزهري في كتابه " تهذيب اللغة " يقال للابس السلاح كافر ، والسابع : قاله الخطابي معناه لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا قتال بعضكم بعضا ([2])





______________________________________

[1] الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي/ الثعالبي (2/28)
[2] شرح النووي على مسلم (2/55)



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات