اغلاق

قانون الجامعات وقانون التعليم العالي


يجري الآن في أروقة وزارة التعليم العالي وضع اللمسات الأخيرة على تعديل قانون الجامعات وقانون التعليم العالي ليصار لاحقا لمناقشتهما وإقرارهما من قبل مجلس النواب حيث شهدت السنوات الماضية عدم استقرار في التشريعات الناظمة للتعليم العالي، وكانت خاضعة لأمزجة أصحاب القرار دون مراعاة لدراسة متأنية تسهم في وضع تشريعات تتسم بالإستقرار، فبعض وزراء التعليم العالي خلال الفترة الماضية وضعوا تصورات لم تخدم مسيرة التعليم العالي في أردننا الغالي، وكانت الأطر التي تشكل من خلالها مجالس التعليم العالي ومجالس الأمناء يعتريها الكثير من السلبيات وتعدي على صلاحيات مجالس الامناء من قبل مجلس التعليم العالي وضعف اداء مجالس الأمناء التي تقوم في غالب الأحيان بدور شكلي وصوري لم نلحظ إنعكاساتها على جامعاتنا الممتدة في كافة أرجاء المملكة، وكانت الوجوه تتغير حسب العلاقات الشخصية مع وزير التعليم العالي فضاعت بوصلة التعليم العالي وتراجعت المخرجات، ولم يراع في تشكيل هذه المجالس في أغلبية الأحيان من بيوت الخبرة والحكمة بإختيارالأساتذة المؤهلين والصادقين الذين لم تتح لهم الفرصة في شغر مناصب قيادية أكاديمية كمنصب رئيس جامعة؟ حيث أن المسوّدة تقترح أن يكون من تركيبة مجلس التعليم العالي ممّن كان رئيس جامعة سابق أو وزير تعليم عالي سابق، وهذه الفئة من الزملاء خدمت وقدّمت ما عندها فأخطأت أحيانا وأصابت أحيانا أخرى وإتخذ البعض منهم التعليم العالي تجارة وما زال ينظر على الوطن والمواطن بمحاضراته التي ملها الناس واكتشف زيفها ومراميها لتحقيق المزيد من التجارة على حساب مخرجات التنمية بمفهومها الشمولي والهام. وأتساءل كما يتساءل غيري من الزملاء الأكاديميين لماذا لا يكون من رؤساء الجامعات الحكومية العاملين أعضاء في المجلس ولماذا لا يتم ضخ دماء جديدة من أساتذة الجامعات المشهود لهم بالخبرة والإنجاز ممن يحرصون على التطوير الحقيقي البعيد عن التنظير وقوالب المفردات المتكررة التي ملها الوسط الأكاديمي ولم تترك أثرا ملموسا إيجابيا إنعكس على مستوى جامعاتنا والنهوض بها؟

وكل من يأتي يقول سنركز على الإستثمار في التعليم وضبط الجودة والنهوض بالبحث العلمي والحاكمية الرشيدة واصبحت هذه المترادفات تتردد في جامعاتنا وكل جامعة تغني على ليلاها دون أن يكون هناك نسق موحد يضبط ايقاع هذه الجامعات التي هي جامعات للوطن كله متعذرين بأن لكل جامعة خصوصيتها ودون مراعاة ان بعض هذه الجامعات تكرر بعضها في التخصصات التي تدرسها فهل يعقل أن يكون في جامعات المملكة مايزيد على خمسة عشر كلية صيدلة على سبيل المثال لا الحصر، وهل يعقل أن يجلس على مقاعد الدرس في جامعاتنا ما يقارب اثنا عشر الف طالب وطالبة في تخصص الهندسة المدنية فقط. التعليم العالي ايها السادة بحاجة الى نقلة نوعية حقيقية وعملية وقرارات جرئية لا تخضع لسياسة الإسترضاء التي يعاني منها قطاع التعليم، وأن القادرين على إحداث هذه النقلة هم المؤهلون والمؤمنون بالعمل المؤسسي وترسيخ مفاهيمه في الوسط الأكاديمي رؤية ومتابعة وواقعا وتنفيذا والمنزهون عن عمل البزنس والتجارة في التعليم على حساب مسارات التنمية. وللإنصاف فقد خطت وزارة التربية والتعليم خلال العامين الماضيين خطوات ناجحة بفضل الإدارة الناجحة التي يتبناها معالي الوزير وفريق العمل في وزارته ومتابعة ذلك بإرادة وحزم وايمان وبروح العمل المؤسسي الجاد الذي لا يخضع لسياسة الإسترضاء على حساب مستقبل الاجيال ومستقبل مسارات التنمية التي تستند على أرضية التعليم فأعاد لإمتحان الثانوية العامة هيبته، وتم الغاء النجاح التلقائي، وخضوع المتقدمين للتعيين لامتحان خاص تشرف عليه الوزارة واعطاء أولوية في التعيين لإوائل خريجي الجامعات. والأمل المرتبط بالعمل معقود أن يتم البناء على هذه الخطوات الناجحة ومراجعة التشريعات بازالة التشوهات واستبدالها بتشريعات تنهض بالمسيرة التعليمية التي تسد كل الفراغات والثغرات وغلق الأبواب التي كان يستغلها المستغلون لمصالحهم تحت عنوان ممارسة الصلاحيات.

إن مسودتي قانون الجامعات وقانون التعليم العالي لم تعرض على أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات، وليس بكاف أخذ أراء بعض الأكاديمين التي تتكرر أسماؤهم، فالموضوع ليس مرتبط أيها السادة بأسماء أشخاص هنا أو هناك، ولكن الأمر يتعلق بمستقبل أجيال ومستقبل مسارات متعددة تهم الوطن، وليس من الحكمة الإستمرار في النمط الإداري والتقليدي الذي تسيرّه المصالح الذاتية أحيانا وتحكمّه الأهواء والنزعات الشخصية أحيانا اخرى التي تعتبر أن الإدارة الجامعية فترة مشمشية تقرّب من تريد وتبعد من تريد وفق ما تراه هذه الإدارة او تلك دون مراعاة لمصلحة المؤسسة والنهوض بها مما أدى إلى ظهورعادات غريبة في الحرم الجامعي لم نعهدها من قبل مثل العنف الجامعي والتعصب الأعمى والتطرف من قبل البعض أحيانا، والتقوقع حول الذات والجهوية والشللية وتلاقي المصالح الضيقة فضاعت رسالة الجامعات وفلسفتها في بناء الإنسان المتزن الراقي بفكره وعلمه وتصرفاته بحثا وراء الماديات بإسم الإستثمار في التعليم على حساب بناء الانسان التائه في هذا الزمن المتلاطم الأمواج وسعيا لإستقطاب العناوين المستوردة التي نتغنى بها دون فهم لمعانيها ودون تطبيق لمضامينها أو مقاصدها ودون مراعاة لثقافتنا وبيئة مجتمعاتنا، فأصبح شبابنا مقلدا في مشيته وطريقة كلامه ولباسه ولم يعد يحمل قرطاسا ولا قلما واستعاض عنهما بالأيفون وعلبة السجائر ولم يعد يعيش واقعه وذابت شخصيته الثقافية في ظل ما يعرف بالعولمة التي لم تنجح جامعاتنا ومدارسنا بل وبيوتنا في كيفية التعامل معها وتوظيفها بما يخدم مستقبل هذه الأجيال.

إنها دعوة لأن تراعي التشريعات كل هذه السلوكيات لنعيد أبناءنا إلى جادة الصواب ولتؤدي الجامعات والمدارس دورها في بناء الإنسان السوي الواعي والمسؤول، لأن بناء الإنسان أفضل وأجدى بكثير من بناء البنيان. وبمنتهى أمانة المسؤولية لم يعد ينطلي على الوسط الأكاديمي تلك العناوين التي تبدو في ظاهرها براقة ومضيئة ولكنها في حقيقىة الأمرجوفاء في مضمونها حيث نجد نفرا من المنظرين الذين جرّبتهم الساحة الأكاديمية يقترحون وبإستمرار في قوالب لغوية جاهزة ويتلونون حسب الموقف وحسب المشهد الذي أمامهم فاذا كانت النتيجة جيدة فيهم ينسبون ذلك الى عبقريتهم التي عز نظيرها، وإذا كانت غير ذلك فيلقون باللائمة على غيرهم ويتنصلون بل ويكذبون ويشوهون صورة الآخر والله يعلم وهم يعلمون أنهم كاذبون وأن ما يقومون به ما هو الا سراب يتلوه سراب يحسبه الظمآن ماء.

أما فيما يتعلق بموضوع إختيار رؤساء الجامعات فهناك من يرى أن يسند أمر الإختيار الى لجنة حكماء محايدة يرأسها أكاديمي ممن يشهد لهم بالنزاهة والإستقامة والموضوعية للخروج من الجدل البيزنطي الذي كان بين شد وجذب لأن نجاح أية جامعة أو مؤسسة لا يرتبط بشخص رئيسها وحده وإن كان سلامة الاختيار مهما وضروريا، فالنجاح لا يتحقق لأية مؤسسة الا بإدارة وإرادة فاعليتين يحيط بهما فريق منتم للعمل المؤسسي البعيد عن المصالح الذاتية والشلليلية التي تمارس للأسف من قبل بعض القيادات الأكاديمية. وهناك من يقترح ان دورة واحدة لكل من رئيس الجامعة (4 سنوات ولايجوز تمديدها لدورة)، ونائب رئيس الجامعة (3 سنوات ولا يجوز تمديدها لدورة ثانية) وللعميد (سنتان ولا يجوز تمديدها لدورة ثانية) تعتبر كافية لكل من هذه المواقع لإستمرارية رفد الجامعات بإدارات جديدة، وهناك من يقترح أن يتم إنتخاب رئيس الجامعة ونواب الرئيس والعمداء ورؤساء الأقسام الذين يشغلون رتبة الأستاذية على غرار ما يجري في كثير من الدول، وهناك من يقترح العودة في تعيين رئيس الجامعة كما كان في السابق قبل عقدين من الزمن حيث كانت هذه التجربة ناجحة إلى درجة معقولة وكانت هناك قيمة إعتبارية عالية لمنصب رئيس الجامعة والأمثلة على ذلك أ.د. ناصر الدين الأسد، أ.د. عدنان بدران، أ.د. سعد حجازي، أ.د. علي محافظه، أ.د. محمد عدنان البخيت، أ.د. فايز الخصاونه، الذين نجحوا في الإدارة الجامعية وتركوا أثرا طيبا في الأوساط الأكاديمية. فلماذا لا يتم تداول كل هذه الطروحات وأخذ المفيد منها ما أمكن لا أن تبقى هذه الطروحات تراوح مكانها ونالت من هيبة منصب رئيس الجامعة على ضوء ما شهدناه خلال السنوات الماضية حيث بلغت الجرأة عند بعض وزراء التعليم العالي في إجراء مناقلات بين رؤساء الجامعات أو إنهاء مهامهم خلال فترة رئاستهم لهذه الجامعات مما نال من هيبة هذا الموقع كما نال ذلك من هيبة أساتذة الجامعات.

المطلوب الآن من الوسط الأكاديمي أن يدلي بدلوه لأن أهل مكه أدرى بشعابها، كما أن على لجنة التربية والتعليم واللجنة القانونية في مجلس النواب أن لا تمرر ذلك دون مراجعة دقيقة ومتأنية سيما وأن هاتين اللجنتين تضمان عددا من الزملاء الأكاديميين والمختصين بالقانون، إضافة إلى التربويين من أعضاء مجلس النواب الذين نحسب أن يكون لهم رأي واضح يؤسس لمرحلة قادمة توقف التراجع الذي حل في قطاع التعليم الذي تصرف به البعض كأنه مزرعة خاصة له متجاهلين أن تقدم الوطن مرتبط بالتعليم المدرسي والجامعي، ولتكن أبواب التشريعات واضحة ومفتوحة لكل ما من شأنه النهوض بهذا المرفق الهام الذي يشكل ركنا أساسيا في عملية البناء والتقدم في أردننا الغالي حيث يوجه جلالة الملك دائما لإحداث نقلة حقيقية في التعليم في كل مراحله، فهل نرتقي بذلك ونحقق ما يطمح اليه جلالة الملك بالعمل الصادق والجهد الدؤوب والتفاني من أجل مستقبل الأجيال ومستقبل الوطن الذي يشكل التعليم والتعليم العالي الركن الأساسي للتقدم والنهضة وبناء الإنسان المؤمن بربه والمنتمي لوطنه وقيادته الهاشمية. وحمى الله أردننا إنسانا ومقدرات ومؤسسات، ودام جلالة الملك عبد الله الثاني سيدا وقائدا.

* أستاذ جامعي/ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية
رئيس جمعية أعضاء هيئة التدريس سابقا
عميد أكاديمي 



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات