اغلاق

جدران وسجناء


يعلمنا التاريخ ان الاسوار والجدران والاسيجة التي شيدت بهدف الحماية أو المنع باءت جميعها بالفشل. فجدار برلين سقط معنويا قبل ان ينهار فعليا. ويوما ما سيلقى جدار اسرائيل العازل المصير نفسه. ولم ينجح السياج المكهرب الذي شيدته اميركا في ولاياتها الجنوبية في منع آلاف المهاجرين المكسيكيين من اختراقه. ونذكر كيف تهاوى خط "بارليف" المنيع امام جحافل الجنود المصريين الذين تجاوزوه في وقت قياسي. ولم يفلح خط "ماجينو" الدفاعي الذي استغرق بناؤه أكثر من عشر سنوات في حماية فرنسا من الغزو النازي.

ان الذهنية التي تدعو الى بناء الاسوار والاسيجة قاصرة لانها تتعامل مع اللحظة الآنية وتنسى ان

الارادة البشرية اقوى من كل حوائط الاسمنت والتحصينات. وكلما ارتفع جدار هنا او مد سياج هناك استجاب البشر للتحدي. انه سباق بين الثابت والمتغير ، الجدار في مقابل الانسان ، الجماد في مقابل الحي.

وفي عالم بشر بالانفتاح ووعد بازالة الحواجز بين بني البشر ، تزداد الدعوات الى الانعزال والتخندق. ففي اوروبا تعلو الاصوات المنادية الى اغلاق الحدود وتشديد القوانين على حرية الحركة والهجرة. انها جدران من نوع آخر. وقد يأتي يوم توصد فيه اوروبا الابواب على نفسها لتعيش في عزلة اختيارية في محاولة للحفاظ على مكتسباتها الاقتصادية وحماية هويتها الثقافية من التفتت والتغيير.

وفي اميركا التي طالما افتخرت بكونها موطن المهاجرين وملاذهم ، توضع الخطط لتوسيع السياج الممتد على طول الحدود مع المكسيك ، وتعدل قوانين الهجرة لتتضائل فرص الطامحين للوصول يوما ما الى أرض الاحلام. ان انكفاء العالم على نفسه وتخندق شعوبه وراء جدران حقيقية ووهمية يعد هزيمة لكل من اعتقد بأن العولمة ستشكل انجازا بشريا يحقق السلام والاستقرار والرفاهية لكل شعوب الارض.

هناك من يحيط نفسه بجدران سميكة ظنا منه انها ستحميه ، وهناك من تبنى من حوله الاسوار لتفرض عليه الاقامة الجبرية. وفي الحالتين فان القابعين داخل الجدار هم سجناء ، لا فرق. ان الجدار الحقيقي هو في داخلنا ، بعضنا يحتمي به من اعداء متخيلين والبعض الآخر ينجح كل يوم في هدمه أو احداث كوة فيه.

في قصيدته الرائعة "في انتظار البرابرة" يصف قسطنطين كفافي تجمع النبلاء والشعراء والعامة تحضيرا لقدوم البرابرة. لكنهم لا يأتون لانهم غير موجودين. وفي النهاية يتساءل كفافي: ماذا نفعل الآن بدون البرابرة؟ ثم يتابع: هؤلاء الناس كانوا يشكلون حلا ما،

 


التاريخ : 21-12-2009
 



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات