اغلاق

دفاعاً عن نقابة المحامين الاردنيين


في ظل المسلسل شبه اليومي "لموضة" الجرأة المتواصلة على المحامين والتطاول عليهم وعلى نقابتهم، وبعد ان تم التساهل في مواجهة المعتدين جسدياً على المحامين، والتهاون بل والتغاضي عن احترام النصوص المقررة لحصانتهم، ها هو احد الصحافيين المرموقين يتعدى على واحدة من اقدم المهن واعرقها في بلدنا العزيز، حيث ينشر الاستاذ الدكتور المحترم فهد الفانك مقالة له بصحيفة الرأي -واسعة الانتشار وذات المصداقية المعروفة على صعيد الوطن والمنطقة- بعنوان "مستشارون قانونيون بالقوة!"، منتقداً بكل ما يمكن ان يتجاوز به "الحق في النقد" ما قرره قانون نقابة المحامين من التوكيل الالزامي للشركات.
وفي سبيل التدليل على مسؤولية الكاتب وتجاوزه للحق المشروع في النقد الموضوعي والبناء، والذي نحترمه جميعاً، نبدأ من العنوان الذي يعكس بالغالب -او هكذا يفترض- ما يريده الكاتب من متن المقالة ومضمونها، حيث جاء بعبارة "مستشارون قانونيون بالقوة!"، ومن خلال هذه العبارة، نجد الكاتب وقد اطلق حكماً مسبقاً ينفي عن مقاله اية موضوعية في الطرح او حياد في تناوله، فهو يحكم كما هو واضح من عنوان المقال على ان "المحامين في الاردن" هم "مستشارون قانونيون بالقوة"، كما ويستفاد منه نزوعه الى منحنيين، اولهما اتهامي للمحامين بانهم يريدون فرض انفسهم بالقوة، وكأنه إذاك يغفل خصيصة درسناها باول محاضرة لنا من خصائص القاعدة القانونية، الا وهي خصيصة الالزام، فشأنه شأن اي قانون آخر يكتسب قانون المحامين صفة الالزام التي لا بد يحميها جزاء يضمن تطبيقها والمتمثل في حالنا هذه بالغرامة التي اسهب الكاتب في الحديث عنها.
اما المنحى الثاني الذي يستشف من عبارة "مستشارون قانونيون بالقوة" فهو منحىً تحريضي على المحامين ومهنتهم، بقوله ان المحامين اضحو اشبه "بفارضي الأتاوات" الذين يجمعون باسلوب "الخاوة" من هاهنا وهنالك، وكأن بالكاتب ينسى ودليلنا في ذلك قطعي الثبوت يقيني الدلالة كونه يعلم شخصياً بأن مدققي الحسابات (وهو واحد منهم) هم كذلك مفروضون على قطاع كبير جداً من الشركات بالطريقة ذاتها التي يفرض بها القانون المستشارين القانونيين عليهم، بل وتحت طائلة غرامة اكبر من تلك التي يفرضها القانون على عدم تعيين مدقق للحسابات، مثل هذا الاغفال لحقيقة يعلمها الكاتب ويعايشها يومياً بحكم مهنته، يسمه بكل قطع وتأكيد بصفة التحيز واللاموضوعية وعدم الحياد، ويجعله كذلك محلاً للمسؤولية.
حتى اذا انتقلنا الى متن مقالة الكاتب الاستاذ الدكتور فهد الفانك، نجده يعبر بالقول "تريد نقابة المحامين إلزام 42 ألف شركة أردنية بتعيين مستشارين قانونيين"، حيث يصف قانون نقابة المحامين الذي اقرته الجهات التشريعية في المملكة وصودق عليه بأنه نتاج خالص لنقابة المحامين، وتعبير بحت عن ارادتها، ويغفل بان مثل هذا القانون لا يمكن لنقابة المحامين ان تصدره من تلقاء ذاتها، وانما يمر -شأنه شأن اي قانون آخر، بمراحله الدستورية التي تجعله معبراً عن ارادة الامة الاردنية جمعاء لا عن ارادة نقابة تدافع بطبيعة الحال عن مصلحة المهنة التي تمثلها، والكاتب ازاء هذه الحقيقة لا يخرج عن خيارين احلاهما مر، فاما هو لا يعرف حقيقة ان قانون النقابة الذي الزم بالتعيين الاجباري للمحامين ليس نتاجاً بحتاً لهذه النقابة (ولا عشنا بطبيعة الحال في جزر معزولة تدافع فيها كل جزيؤة عن مصلحتها الشخصية ولانتفى بذلك مفهوم الدولة التي تجمعنا جميعاً) او انه يعرف ويتجاهل ما يعرفه كي يكون لكلامه المحرف صدىً اكبر في التعبير عما يجول في نفسه، ومثل هذا التحريف والنقل غير الامين لحقيقة الواقع مع العلم بها او على الاقل دون بذل جهد معقول -سيما من كاتب محترف مثله نحترمه جميعاً بالطبع، في التحقق من صحة ما يقول، ومثل هذا الامر يجعله ايضاً محلاً للمسؤولية القانونية.
حتى اذا انتقلنا للعبارة التالية والتي يقول الكاتب المحترم فيها "اعتماداً على نص وارد في قانون نقابة المحامين الذي ينظم أعمال النقابة فهل يلزم الشركات؟"، وفيها يتطوع الكاتب ليقرر -وهو المعروف وصاحب المصادقية- حكمين زائفين لا يمتان بصلة لاصول القانون وابسط مقتضيات فهمه، هاتان الحقيقتان هما:
1. يقرر الكاتب -خطأً- ان القواعد المتضمنة بقانون نقابة المحامين لا يتجاوز سوى مهمة واحدة هي تنظيم اعمال النقابة، واذا كان ذلك صحيحاً من حيث اهداف القانون وغاياته فإنه بالقطع ليس كذلك من حيث وسائله ونطاق تطبيقه، ببساطة لان المحامين لا يعيشون بمعزل عن المجتمع، فكان لزاماً ان يمتد نطاق تطبيق قانون نقابة المحامين لما يجاوز اعضاء النقابة ببساطة لانه لا يتولى فقط تنظيم شؤون النقابة الداخلية اي العلاقات المتبادلة بين اعضاء النقابة، وانما يمتد ليحكم ايضاً علاقة هؤلاء بغيرهم في المجتمع، فكانت القواعد التي تتناول علاقة المحامين بموكليهم وهم بطبيعة الحال لا ينتسبون للنقابة، كما وكانت القواعد التي تتولى علاقة المحامين بالمحاكم بمجموعة من القواعد التي تحمي حصانتهم في حدود التزامهم المهني، كما وفي ذات السياق كانت القواعد التي تحكم علاقتهم بقطاع الشركات من خلال فرض قواعد التوكيل الالزامي عليها احتراماً لمبدأ الشرعية الذي تستفيد منه الشركات ذاتها في المقام الاول.
2. كما ويقرر الكاتب -خطأً ايضاً- ان قانون نقابة المحامين ولكونه خاصاً بالمحامين فقط، فهو لا يلزم غيرهم ومن ذلك قطاع الشركات، وفي ذلك يغفل الكاتب حقيقة بدهية تتمثل في "وحدة القانون"، فقانون نقابة المحامين ليس قراراً صادراً عن مجلسها ليقال بعدم اختصاصه سوى بحدود التنظيم الداخلي للمهنة، وانما هو قانون صادر عن السلطات التشريعية في الدولة، ليكون بذلك ملزماً لجميع من في الدولة، حكاماً ومحكومين، ضماناً لاحترام مبدأ المشروعية الذي يقرر ذلك، وليست الشركات او اية جهة أخرى في الدولة بمعزل عن هذا الالزام.
اما ما يقوله الكاتب من تشكيكه "ولو في معرض الاستفهام على حد تعبير قانون العقوبات" في مدى الزام قانون نقابة المحامين للشركات، فهو بلا شك دعوة صريحة لا ضمنية للامتناع عن التعامل مع نقابة المحامين، والى عدم احترام قانونها، باعتبار انه "غير ملزم لهم" وانهم بطبيعة الحال "غير معنيين بما يتناوله من قواعد واحكام وان خاطبتهم صراحة بمضمون ما تناولته من احكام".
واذا انتقلنا الى العبارة التالية، نجدها اوضح معنىً وابلغ عبارةً في التدليل على عدم حياد الكاتب وعدم موضوعيته، فهو يتناول نقابة المحامين بتعابير كان بإمكانه الوصول الى مضمونها بطريقة اكثر احتراماً لنقابة مهنية وطنية عريقة كنقابة المحامين الاردنيين، حيث نجد الاستاذ الدكتور فهد الفانك يقول "فإن طلب النقابة يعتبر نوعاً من الاستغلال حتى لا أقول ابتزاز الشركات التي لا حاجة لها بمستشارين"، والمضحك المبكي في هذا الخصوص ان الكاتب يريد ان يتجنب قول "ابتزاز" واذا به يقولها فعلياً، ومثل هذا الامر يفتقر لابسط معايير العمل الصحفي التي يجيدها الكاتب جيداً، كيف لا وهو العريق جداً في مجال العمل الصحفي الذي يتعرض اليه يومياً منذ فترة طويلة جداً من الزمن.
فعبارات مثل "استغلال" وابتزاز" لا يمكن بحال القبول بها في مجال العمل الصحفي، وهي دون ادنى شك دعوة الى التمرد والعصيان على حكم القانون، سيما وانها لا يمكن ان تسند الا الى اشخاص بعينهم، لا الى نقابة مهنية عريقة تضم عشرات الالاف من الاعضاء، وليس هذا فحسب، بل ان اتهامهم بالابتزاز والاستغلال يفيد قطعاً اتهام جميع الجهات التي ساهمت في سن هذا التشريع من اقتراح واقرار بل وتصديق ايضاً بالتواطؤ مع هذا الاستغلال، لا لشيء الا لأن الفرض الوحيد المقابل لذلك هو ان هذه الجهات تقترح وتصوت وتقر وتصادق على نصوص قوانين دون معرفة مضمونها، وهو أمر لا يمكن لاية جهة منها ان تقبل به.
كما ويبدو الحياز وعدم الموضوعية في مقال الكاتب من خلال حقيقة بسيطة يعايشها الكاتب يومياً وبالتالي فهو على علم يقيني قطعي الثبوت بها، تتمثل في ان مدققي الحسابات هم ايضاً يعتاش الكثير منهم على مهام التدقيق التي يوجب قانون الشركات توليهم اياها، فلماذا كان ذات الامر في حق المحامين "ابتزازاً" وفي حق "مدققي الحسابات" حقاً مشروعاً ومكتسباً لا نقاش فيه ولا تشكيك؟
وفي سبيل المضي قدماً في كيل الاتهامات للنقابة، يغالط الكاتب الاستاذ الدكتور فهد الفانك الواقع والقانون معً حين يقول "فإن طلب النقابة يعتبر نوعاً من الاستغلال حتى لا أقول ابتزاز الشركات التي لا حاجة لها بمستشارين لأكثر من سبب كأن يكون رئيس مجلس الإدارة أو المدير العام أو موظف في الشركة قانونياً ضليعاً ، أو أن لديها دائرة قانونية، أو أنه ليس لها تعاملات تستوجب الإجراءات القانونية" ووجهة المغالطة في ذلك والمسؤولية القانونية المترتبة عليها انه ما كان ينبغي لصحفي محترف مثله ان يتطوع لتقديم استشارة قانونية من تلقاء ذاته، وهو غير القانوني، ولو كانت صحيحة فلا حرج، ولو سأل اي محام او حتى قانوني لربما كان اجابه بخلاف ما قرر في مقاله، بكل ما يترتب عليه من اثار جسيمة نظراً لسمعته الشخصية ككاتب ولمصداقية جريدة الرأي على صعيد الوطن ككل، ولو بذل ادنى درجات تحري صحة المعلومة في مقالته تلك لكان توصل الى خلاف ما يقول، حيث ان من المعلوم انه لو كان رئيس مجلس ادارتها او مديرها قانونياً فإن ذلك لا يتيح بحال صحة الرقابة القانونية على اوضاع الشركة، فهو يضحى خصماً وحكماً في آن معاً، كما ان من الممنوع قانوناً ان يجمع بين اي من ذلكما المنصبين وبين مهنة المحاماة وعضوية نقابة المحامين.
اما الفرض الثاني الذي يتناوله الكاتب فهو وجود موظف قانوني ضليع او دائرة قانونية، ومثل ذلك في الاغلب يكون به ذلك "الموظف القانوني العريق" محامياً، او اي من اعضاء الدائرة القانونية لديها، فما المانع من ان يسجل هو كوكيل عن الشركة؟ سيما مع ما يثبته الواقع العملي من الحاجة اليومية للمستشارين القانونيين لتجنب الاخطاء التي لربما تكلف الشركة الالاف او اكثر.
اما الفرض الثالث والمتمثل في عدم الحاجة للاستشارات القانونية اصلاً، فهو فرض يتنافى والوقع اليومي ليس للشركات فحسب بل لاي شخص في دولة القانون، القانون ايها الاخوة يتقاطع بشكل يومي مع كل من يعيش في دولة القانون، كل تصرف يصدر عن الشخص وكل واقعة تحدث معه يحكمها القانون، ولا يمكن بالتالي الادعاء من خبير كالكاتب الاستاذ الدكتور فهد الفانك بذلك، فمثل هذه الشركة الا تمر عليه بتقرير التدقيق استئجارها لمقر الشركة او شراءها اياه؟ والا يمر معه في تقرير التدقيق الضرائب والرسوم التي تدفعها الشركة للدولة؟ الا تمر معه ايجارات عمال الشركة وموظفيها؟ الا تمر معه الديون غير المطفأة والحقوق التي لا زالت بموضع التنازع لدى المحكمة؟ الا تمر معه النزاعات بين الشركاء على ارباح الشركة ودعاوى المحاسبة التي يرفعها "المحامون" عنهم بالمحاكم لتحديدها؟ الا تمر معه ومعه ومعه الكثير من المسائل التي لا بد ان يكون لها بعد قانوني ايضاً؟ مثل هذا الادعاء لا يمكن ان يكون هفوة عرضية من كاتب مرموق لا يقبل منه حتى الخطأ البسيط في امر بدهي كهذا.
ويستمر الكاتب في التدليل على صحة وجهة نظره لينتقل الى مغالطة أخرى تتمثل في القول بان "الأصل أن المقصود بتعيين مستشار قانوني هو حماية مصالح الشركة ، ولكنها هي الأعرف بمصلحتها ولا يجوز أن تفرضها عليها نقابة"، ووجه الخطأ في قول الكاتب يتمثل في ان القصد من تعيين مستشار قانوني للشركة هو تحقيق مصلحة عامة تتمثل في حماية مبدأ المشروعية ودولة القانون، والسلطة العامة في الدولة قد تقرر امراً لمصلحة الاطراف المعنية ومع ذلك يكون الزامياً، لا لشيء الا لكونه قانوناً، لا يقبل بصفته هذه خضوع احكامه لمطلق تقدير الاطراف المعنيين فيما اذا كان من محض مصلحتهم الخضوع لحكم القاعدة القانونية من عدمه، واذا جاز ما يقوله الكاتب فإن شركة في الدولة لن تدفع الضرائب والرسوم المتوجبة عليها لا لشيء الا لأن مثل ذلك سينتقص من الجانب الايجابي لذمتها المالية، وهو ما يكبدها خسائر، اليس كذلك؟ الصحيح انه وحين تقدر السلطة العامة اجراء ما او الزاماً معيناً للمصلحة العامة او الخاصة، فلا يجوز ان يترك مثل ذلك لمطلق تقدير الاشخاص المخاطبين بذلك التكليف، والا لسعت كل جهة الى تحقيق مصلحتها وفقاً لمطلق تقديرها، ولفسدت بذلك الارض، وهو الامر الذي لا يصح ولا ينبغي ولا يجوز في دولة القانون، بل وفي اية دولة بها قانون. وهو ما يفيد عدم تحري الكاتب الدقة في الحكم المتضمن في مقالته، مما يعرضه بلا شك للمسؤولية القانونية من هذه الناحية ايضاً.
وفي ذات العبارة السابقة نجد اشارة السيد الكاتب لنقابة المحامين بقوله "ولا يجوز أن تفرضها عليها نقابة"، وهو ما يفيد احتقار نقابة المحامين، لأن القارئ لا يمكن ان يفهم من عبارته تلك الا القول بانها "مجرد نقابة لا اكثر" وهو ما يستشف منه الاستهتار بنقابة المحامين بل وبالنقابات جميعاً، فاسلوب "التنكير" الذي وصفت به نقابة المحامين لا يمكن ان يفهم الا بالاستهتار بها، الصحيح ايها السادة ان نقابة المحامين شخصية معنوية عامة ومرفق مهني يمنح مثل هذه الشخصية نظراً لدوره في رعاية الصالح العام لا فقط مجرد الدفاع عن مصالح اعضاء المهنة فقط، ومثل هذا المعيار هو ما حذا بالفقه الفرنسي الى الاعتراف للنقابات المهنية بالشخصية المعنوية العامة باعتبارها 'نوعية جديدة من الاشخاص الادارية، اي طائفة جديدة تضاف الى الاشخاص الادارية التقليدية'(لطفاً انظر: مؤلف استاذنا الدكتور علي خطار شطناوي، بعنوان 'مبادئ القانون الاداري، الكتاب الاول: التنظيم الاداري، ص189(، وهو ما يبرر خضوع قرارات مجلسها للطعن امام القضاء الاداري كونه الاجدر بحكم تكوينه على تقدير الصالح العام ومثل ذلك التوازن الدقيق بينه وبين حقوق الافراد وحرياتهم.
كذلك فينتقل الكاتب المحترم لمغالطة أخرى بقوله ان "لكل شركة مدقق حسابات قانوني، ولكنه ليس مفروضاً بموجب نقابة المحاسبين بل بموجب قانون الشركات"، فهاهنا نجده يدافع عن التمييز في التعامل بين المدققين الحسابيين وبين المحامين، اذ ان الشركات ملزمة بتعيين مدقيي الحسابات وغير ملزمة بتعيين المستشارين القانونيين لا لشيء الا تبعاً لاختلاف الموضع التشريعي الذي ورد به كل من الحكمين، فنجده يقبل -في تقديره الشخصي- بالزام الشركات بتعيين مدققي الحسابات لأن مثل ذلك الالزام وارد بقانون الشركات، في حين يرفض بالمقابل من ذلك الزام الشركات بتعيين المستشارين القانونيين لانه حكم لم يرد بقانون الشركات وانما بقانون نقابة المحامين، ووجه الخطأ والمغالطة في ذلك اغفاله لمبدأ هام ومفترض لا يمكن تجاوزه هو مبدأ وحدة القانون، اي وحدة النظام القانوني في الدولة، فاياً كان مسمى التشريعات التي تتنازع حكم مركز قانوني او علاقة قانونية ما فلا يجوز الانتقاص من قوة الحكم الذي يتضمنه اي تشريع منها نظراً لمسماه فقط، لا بل قد نجد -وفقاً لما قررته محكمة التمييز الموقرة بهذا الخصوص- نصاً خاصاً وان ورد في قانون عام يقيد نصاً عاماً وان ورد في قانون خاص.
وبناء عليه، وتبعاً له، لا يجوز للشركات الاحتجاج بانها غير ملزمة سوى بالقواعد المتضمنة في قانونها، والا فبناء على اي سند قانوني الزمت بالضرائب؟ وبناء على اي سند الزمت بايجار مقراتها؟ وبناء على اي سند الزمت بحقوق موظفيها والعمال لديها؟ وبناء على اي سند تلزم بتعاملاتها التجارية التي تتخذها في سبيل مباشرتها لنشاطها؟ وبناء على اي سند تلزم باحترام العلامات التجارية لغيرها وتحمي علامتها التجارية في المقابل؟ الا تلزم في كل ذلك بقانون ضريبة الدخل وقانون المالكين والمستأجرين والقانون المدني وقانون العمل وقانون التجارة وقانون العلامات التجارية وما الى ذلك؟
مثل هذه الحقيقة يعيها طالب السنة الاولى بكلية الحقوق، ولو استشاره الكاتب الموقر لما كان وقع في هذا الخطأ القانوني الجسيم، وهو ما يدلل بالتالي عدم تحريه -وهو غير المتخصص اساساً في علم القانون- اية دقة او موضوعية في البحث عن صحة ما يكتبه وهو الكاتب المعروف وذو المصداقية الواسعة ويكتب في جريدة معروفة تاريخياً كجريدة الرأي.
ومن الواضح مغالطة الكاتب في تقريره "أن الهدف من إلزام الشركات بتعيين مستشار قانوني هو تمكين المحامين من الحصول على رواتب ومكافآت ، وليس مصلحة الشركة التي تعرفها الإدارة أكثر من النقابة ، ولا مصلحة الجمهور الذي قد يكون الخصم في هذه الحالة"، فكما سبق وتوصلنا اليه فإن السلطات التشريعية في الدولة هي وحدها التي تقرر الصالح العام من وراء التشريعات التي تسنها، او تقرر السبيل الامثل للموازنة بين المصالح المتعارضة التي يتناول الحكم القانوني تلك التوليفة المثلى لتنظيمها وتوزيع الادوار بين اطراف العلاقة المعنية بالتنظيم بناء على ذلك. حتى ان "الجمهور" الذي يقصده الكاتب من المتعاملين مع الشركة قد يكونوا اول من يستفيد من تعيين المحامين بتلك الشركات، فهؤلاء يتجاوزون مراحل عديدة في التعامل القانوني مع الشركة ان هي علمت -من خلال مستشارها القانوني- بحد من اليقين حدود حقوقها وواجباتها، فلا نصل بالضرورة الى مرحلة النزاع لدى القضاء، وهذا ما يفترض في التعيين الالزامي للمحامين تحقيقه وان تجاوزه البعض منهم واساؤوا استعماله فلا يمكن له ان ينفي حقيقة ان الاصل في تعيينهم لدى الشركات هو ان يجيبوا بقدر من الموضوعية والحياد بحقيقة المركز القانوني للشركة بما يقرر بما لها وعليها من حقوق وواجبات في اطار تعاملها مع الغير، وفي ذلك تتحقق مصلحة الجميع: حماية الشركة من الغير سيء النية الذي قد يحتال عليها في بعض الاحيان، وحماية الغير حسن النية من جهل الشركة ومديريها بحكم القانون، وبالتالي التشريع باداء حقوقه اليه دون نزاع او تنازع.
كذلك فيمعن الكاتب المحترم في اتهامه لنقابة المحامين بانها تبتز الشركات للحصول على الدخل، وان الشركات اضحت بالنسبة لهم "بقرة حلوباً"، ان في هذا التعبير اهانة كبيرة للنقابة واتهام لاعضائها بانهم صعاليك وكائنات طفيلية تعيش على ارزاق الآخرين، وفيه انكار لحقيقة التضامن الاجتماعي الذي ما أسست الدولة الا عليه، فلماذا لا تكون الحكومة هي البقرة الحلوب في مئات الضرائب والرسوم التي تفرضها على مواطنيها؟ الا تجمع مثل هذه المبالغ منها لتدفع رواتب افراد الجيش والامن العام؟ الا يحمي المحامون الشرعية والمشروعية في الدولة تماماً كما يحمي اولئك امنها واستقرارها وحدودها؟ ولماذا تكون الشركات في وضع مالي صعب في اطار الحديث عن توكيل المحامين ولا تكون كذلك في اطار الحديث عن مدققي الحسابات؟ وهل تضع النقابة حصيلة هذه التوكيلات للمصلحة الشخصية لافراد القائمين على ادارتها؟ الا تصرفها في ضروب الانفاق على الصالح العام؟ ان في كلام الكاتب -والذي يفترض به بحكم خبرته الطويلة أقصى درجات الحرص والحماية ولا يقبل منه حتى الخطأ البسيط في التقدير، فيه ضرب للوحدة الوطنية ولتلاحم نسيج المجتمع، وفي اثارة للعداوة والبغضاء بين طوائف المجتمع، وفيه تمييز واضح وحكم اقل ما يقال به انه منحاز وغير موضوعي وغير حيادي، ومثير للمسؤولية القانونية بأشكالها القانونية كافة.
ولا يقف الكاتب الموقر عن ذلك الحد، بل نجده يحرض الشركات على عدم دفع غرامات التأخير في توكيل محامين عنها، اذ نجده يقول "تريد نقابة المحامين أيضاً أن تفرض على الشركة التي تتأخر في تعيين مستشار قانوني دفع غرامة لصندوق النقابة قدرها خمسة دنانير عن كل يوم تأخير أي 1825 ديناراً سنوياً: مصدر ممتاز لدخل النقابة أليس كذلك؟" يتناسى الكاتب المحترم في ذلك حقيقة ضرورة وجود الجزاء الذي يحمي حكم النص القانوني، وهو الذي يظهر في حالتنا هذه بصورة الغرامة، هذه الغرامة التي تقل مقداراً عن تلك التي تفرض بحق الشركات التي لا تلتزم بتعيين مدقق حسابي عنها، فلماذا كانت بحالتهم حقاً مشروعاً ومكتسباً وكانت بحق نقابة المحامين سرقة ونهباً و"سلبطة" وابتزازاً؟
يجيب الكاتب على ذلك بقوله "هذه أول مرة يفرض فيها القانون ضريبة لا يتم توريد حصيلتها إلى الخزينة ، بل تدفع لنقابة مهنية لتعويضها عن الخسائر الناشئة عن عدم حاجة بعض الشركات لخدمات أعضائها"، وهو في ذلك يقع في مغالطة أخرى ايضاً، فمن المعلوم ان الايرادات ليس بالضرورة لتعتبر كذلك ان تورد لخزينة الدولة، بل يمكن ان تورد لحساب اي شخص معنوي عام من اشخاصها، فجميعهم يسعون لتحقيق الصالح العام، لا بل ان اللامركزية الادارية والمرفقية هي السبيل الافضل لتحقيق الصالح العام، وفي كلام الكاتب بالتالي اتهام للنقابة "المهنية" بانها تسعى الى حماية مصالح خاصة وشخصية لا الصالح العام وهو الامر الذي لا تخفى مخاطره ومغالطة الاسس التي يقوم عليها، فالنقابات لا تسعى فقط لخدمة اعضائها، والا فلماذا كانت هي المختصة بمجازاتهم ومعاقبتهم ان هم اساؤوا لكرامة مهنتهم او اخلوا بواجباتها واضروا بمصالح الغير، الا ترعى حماية مصالح المتضررين من اعمال مهنة المحاماة؟ من خلال تقريرها لمساءلة المحامين وهم اعضاؤها؟ النقابة المهنية ايها السادة لا تحمي المصالح الشخصية لاعضاءها وانما الصالح العام من خلال حماية مصلحة المهنة كمهنة لا المصالح الشخصية لمن يتولاها من اعضاء النقابة، ودليل ذلك فرضها للانتساب الاجباري اليها قبل ممارسة المهنة، وهي بالتالي تحمي مهنة المحاماة او الطب في ذاتها لا مجرد المصالح الشخصية لاعضائها، والا لكانت اقرب الى النادي منها الى النقابة، ولكانت شخصاً معنوياً خاصاً لا عاماً يتولى خدمة ورعاية مرفق عام هم مرفق المهنة وممارستها في اطار التنظيم القانوني العام بالدولة.
ويختم الكاتب مقاله المذكور -وختامها مسك- بمغالطة أخيرة بقوله أن "الشركات ليس مغرمة بمقاضاة عملائها والذهاب إلى المحاكم، كما أن الخبرة تقول إذا أردت تعقيد قضية سلمها إلى محام"، وهو حكم لا يجوز ولا ينبغي ولا يصح اطلاقه من رجل مسؤول وخبير في المقالة الصحفية، اذ من المعلوم ان توكيل المحامين يقصد به ومنه في المقام الاول تجنب وصول النزاع الى المحاكم، وتوعية اطراف العلاقة المعنية والتي تكون الشركة طرفاً فيها، بحقيقة مركزهم القانوني، لتجنب وصول اي نزاع محتمل الى المحاكم، كما ان مجرد توكيل محام لا يتيح له ان يرفع القضايا عنها لدى المحاكم دون توكيل عام او محدد بهذا الخصوص، وبالتالي فمثل هذا التوكيل لا يلزمها برفع قضاياها لدى المحاكم، اما عن خبرة الكاتب الشخصية التي لربما واجهت محامياً او اثنين على غير هواها، فهي لا تتيح له ولا تمنحه الحق في اتهام قطاع المحاماة بأكمله بأنه يسعى الى تعقيد القضايا وتأخير البت فيها، فالاحكام تبنى على الشائع العام لا على القليل النادر والشاذ المخاللف للقانون مهما انتشر واتسع فلا حكم له.
هذا ما كان من أمر الرد على الكاتب الاستاذ فهد الفانك المحترم، الكاتب المعروف والمخضرم وذي المصداقية، على مقاله الذي تعرض به بأقذع العبارات واشد التهم، التي كيلت لمهنة المحاماة ونقابتها، في جريدة يومية مشهورة ولها مصداقيتها على صعيد الوطن بل والمنطقة ككل، وهو لا يمكن بالتالي ان يفهم الا في اطار سياسة الهجوم الممنهجة على المحامين الاردنيين ومنهتهم ونقابتهم، وان مرورها وغيرها مرور الكرام دون مساءلة او محاسبة، يجعل من مسلسل التجرؤ على مهنية عريقة لا يمكن للعدالة في الدولة ان تستقيم الا بها، تستمر حلقاته الواحد تلو الاخرى، وتتصاعد بلا شك، فمن أمن العقاب أساء الادب.
كل ما سبق، وغيره يؤيد ضرورة تصدي نقابة المحامين ومجلسها الموقر ونقيبها الاكرم، لهذه المقالة بالتفنيد ولكاتبها بتقرير مسؤوليته القانونية عنها (باعتبارهم الجهة القانونية الوحيدة التي لها ذلك باعتبارها الممثل القانوني لمهنة المحاماة وقطاع المحامين- لطفاً انظر: أ. د. عبد الروزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج(1): مصادر الالتزام، ص922)، وذلك استناداً الى عدم تحري الدقة والموضوعية في المقالة المذكورة وتطوعه وهو غير المختص لاطلاق الاحكام القانونية التي تبينت بنتيجة هذه المقالة قيامها جميعاً على مغالطات جسيمة لا يمكن ان تمر هكذا دون متابعة او تتبع، اضافة الى ميله للتحيز ونزوعه نحو التحريض على عدم الالتزام بالتوكيل القانوني المقرر بموجب قانون واجب الاحترام بوصفه صادراً بعد استكمال مراحله الدستورية كافة، والا فلم يبق لاعضاء مهنتنا سوى سفهاء الناس وصبيانهم ومجانينهم ليرجمونا بحجارتهم، فلله وحده نشكو ضعف قوتنا وقلة حيلتنا في مجتمع لا يقيم للمشروعية وزناً ولا للقانون قدراً. بل وكيف لنا ان ندافع عن العدالة ونحن اكثر من ظُلم؟ وأنى نُحصّل للناس حقوقهم ونحن اصحاب حق مهضوم؟ الا تعلمون ان فاقد الشيء لا يعطيه؟
ذلك ما كان من أمر اجتهادي في هذه المسألة، ورأيي يبقى صواباً يحتمل الخطأ ورأي غيري يحتمل الصواب، فإن أصبت فمن الله وتوفيقه، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، فعسى أن أكسب باجتهادي هذا الأجرين لا الأجر الواحد، والله من وراء القصد، وشكراً.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات