اغلاق

توجيه بوصلة التعليم في خطاب العرش الملكي السامي


خطاب العرش الملكي السامي أمام مجلس النواب في جلسته التي عقدت يوم الأحد 15/11/2015 جاء شاملا جامعا مانعا عميقا ينبه إلى ضرورة دراسة ما يجري على الصعيدين الإقليمي والدولي من صراعات ونزاعات، وبلدنا الأردن تحيط به هذه الصراعات من كل جانب الأمر الذي يدعونا جميعا إلى قراءة المشهد بعمق وأن تكون صفوفنا متراصة وقوية في مواجهة الأخطار أنى كان مصدرها لتمضي مسيرة أردننا إلى الأمام بعزم وإيمان لبناء المستقبل المشرق للأجيال.

وما ورد في الخطاب السامي لجلالة الملك، فيما يخص محور التعليم هذا المرتكز الأساس لأية نهضة وتقدم يضعنا جميعا أمام مسؤولية وطنية لتعزيز نقاط القوة وتعظيم الايجابيات، ومراجعة مواطن الخلل التي شابت مسيرة التعليم، وتشخيصها ومعالجتها بشكل جذري، وإعادة توجيه بوصلة التعليم التي إنحرفت عن مسارها الصحيح بسبب كثرة التنظير الذي لا يسمن ولا يغني من جوع الذي لم يرافقه منهجية عمل جادة ومتابعة ومسؤولية حيث أن إصلاح التعليم في كل مراحله هو القاعدة الأساس التي يتم البناء عليها في مختلف مجالات التنمية الشاملة والنهوض والتقدم.

لقد حان الوقت للعمل بعيدا عن التسويف والتنظير، والإهتمام بجوهر الأمور وعدم التركيز على الفرعيات، لأن المؤتمرات والندوات التي عقدت خلال الفترات الماضية لم تستطع تحقيق ما هو منشود من مخرجات تعليمية وإصلاح تعليمي، سيما وأن هناك تنافسا إقليميا ودوليا في مجال التعليم والتعليم العالي، الأمر الذي يستدعي مضاعفة الجهود المخلصة والجادة يرافقه تفكير ممنهج وجهد مخلص ينهض بالمؤسسة التعليمية برمتها حيث أن إحداث النقلة النوعية التي التي أشار اليها جلالة الملك تنعكس آثارها على مفاصل الحياة في مجتمعنا ولا تتحقق إلا بإصلاح جذري يرافقه إصلاح قيمي وتربوي في قطاع التعليم للنهوض بمكانة الأردن إقليميا ودوليا.

ولنعترف بجرأة أن التربية قبل التعليم، وإذا إختل النظام التربوي فحتما سينعكس ذلك بشكل عام على التعليم، الأمر الذي يستدعي ضرورة المعالجة بخطين متوازيين (تربويا وتعليميا). ولم يعد مجديا الآن أن نتغنى بالماضي حيث كان للمعلم مكانته وهيبته، سيما وأن النيل من هيبته والاعتداء عليه تمارس جهارا نهارا بسبب إنهيار في منظومة القيم التربوية التي إنقلبت رأسا على عقب.

وهذا يدعو مؤسساتنا التربوية والتعليمية إلى معالجة بعض الأمراض الموجودة في مجتمعنا الأكاديمي التي تمارس من قبل البعض في جو يسوده الصراعات بعيدا عن التنافس الذي ينهض بالمؤسسة وإنتهاج إغتيال شخصية الآخر والإساءة إليه، الأمر الذي يدعونا إلى نبذ مجتمع الكراهية الذي حذر منه قبل خمسين عاما دولة المرحوم سعد جمعة في كتابه \"مجتمع الكراهية\"، كما حذر الكثير من أصحاب الرأي من ذلك حيث أشار الدكتور بكر خازر المجالي في مقال له بعنوان \" صناعة الكراهية\" متطرقا الى كتاب سعد جمعه الذي يرى فيه ترجمة لمعاني الكراهية في المجتمعات، واجادة في إستخلاص صور من الواقع كانت تعزز الكراهية في المجتمعات، الامر الذي يستدعي إعادة قراءة الكتاب بالمنظور الواقعي الحالي لكي لا يستمر هذا الخطر الداهم في القضاء على القيم النبيلة التي أصبحت تتلاشى في مجتمعاتنا، فالنفاق أصبح في نظر البعض شطارة، والوقاحة في عدم إحترام المعلم جرأة، والعبثية والاستهتار قوة، واحترام النظام والقانون ضعفا وخوفا، والأمانة والصدق استعراضا، والفوضى حرية شخصية.

والأكثر خطورة ان تظهر الكراهية في الوسط الاكاديمي ودون الإلتزام بأخلاقيات العمل الأكاديمي للحصول على مغنم رخيص أو مصلحة ضيقة تفوح منها رائحة الأنانية وحب الذات التي تزكم الأنوف، حيث أشار عدد من الزملاء الأكاديميين ومنهم الزميل الأكاديمي والكاتب الدكتور مفضي المومني في مقال سابق إلى ظاهرة الكراهية التي تتفشى في الوسط الأكاديمي حيث نجد من يشّوه صورة الآخرين وهو كالسوس الذي ينخر في جذور الأشجار المثمرة، ويتبع سياسة فرق تسد أو فرغ تسد (على رأي الاستاذ الدكتور صلاح جرار) في الوسط الأكاديمي الأمر الذي يؤثر سلبا على مسيرة التعليم، وهذا الأمر جد خطير يجب أن لا نغفل عنه وعلى الصادقين أن يعملوا جاهدين لتحصين أبنائنا من هذا الخطر الذي نأمل أن يتم معالجته في الأوساط الأكاديمية والتعليمية التي تحكمها المصالح الضيقة وضيق الأفق أحيانا والشللية أحيانا أخرى وما إلى ذلك من إنحدار قيمي في الأخلاقيات الأكاديمية التي تمارس من قبل البعض.

وأمر آخر، من الأهمية بمكان، تبني ووضع تشريعات تضبط الأخلاقيات الأكاديمية من خلال المساءلة الجادة والمسؤولة ليبقى المجتمع الأكاديمي نظيفا وبعيدا عن الشلليلية والإستقطاب المصلحي المدمر، حيث أن ترسيخ القيم العليا سلوكا وتدريسا وبحثا جانب أساسي وهام في عملية الإصلاح التربوي، فالمعلم والأستاذ الجامعي يفترض أن يكون كل واحد منهما قدوة لطلبته وللمجتمع الذي يوجد فيه ليترك الأثر الطيب في النفوس، وإلا ماذا نتوقع من مدع للأخلاق الأكاديمية وهي منه براء أن يسهم في زرع القيم الأكاديمية النبيلة في نفوس طلبته.

إن لجنة تنمية الموارد البشرية التي يرأسها وزير تربية وتعليم ووزير تعليم عالي سابق والتي من ضمن عملها مراجعة ملف التعليم العام، عليها الإشارة بجرأة وبدون تلكأ أو تردد إلى مواطن الخلل والضعف مهما كانت، وإن إستدعى ذلك الاستعانة بجراحين مهرة أمناء حيث أشارت إلى ذلك الزميلة الدكتورة أمل نصير عضو لجنة تنمية الموارد البشرية في مقال لها \" إن إصلاح التعليم قد يحتاج إلى جراحة تكون مؤلمة\". نعم، إن تراكم الأخطاء بسبب التسويف وترحيلها من جيل إلى جيل أدى الى وجود سلوكيات سلبية لم نعهدها سابقا في مدارسنا وجامعاتنا ومنها العنف الجامعي وظاهرة الإعتداء على المعلمين وأساتذة الجامعات، وعدم إحترام الوقت والإستهتار بالإلتزام بالتعليمات التي تضبط العملية التدريسية برمتها.

ولتسمح لي لجنة تنمية الموارد البشرية أن أضع عدة ملاحظات آملا عدم إغفالها مع ضرورة التنسيق مع مؤسساتنا التربوية والأكاديمية ومنها:
1. تنمية مفهوم العمل والضميرالمؤسسي في مجتمع المدرسة والجامعة الذي يهدف الى إحترام العمل وإتقانه وإنجازه بأفضل صورة ليصبح ذلك نهجا يمارسه الطالب والموظف والأستاذ في المدرسة والجامعة.

2. تحقيق الأمن الوظيفي والإجتماعي وتحسين الظروف المعيشية للمعلمين وأساتذة الجامعات وتعزيز مكانتهم في المجتمع، حيث أن معظم دول العالم المتقدم تضع مهنة التعليم على قائمة اؤلوياتها لتستمرالريادة والتقدم.
3. الإستثمار الحقيقي يكون في الإنسان المؤهل مما يتطلب توفير وتحديث البنية التحتية في المؤسسات التربوية والتعليمية بشكل متميز التي تسهم في عملية الإعداد والتأهيل. إضافة إلى تدريب الكفاءات البشرية في مجال التعليم مع مراعاة أن يتم تعيين المتميزين في مجال التعليم المدرسي والجامعي، وضرورة تأهليهم تربويا ليتحقق الهدف الشمولي في مجالي التربية والتعليم على حد سواء، وأن يكون هناك شروط ومعايير ذات جودة عالية لتعيين المعلمين في المدارس وكذلك أساتذة الجامعات وكيف نتوقع من مدرس يجهل أساسيات اللغة أن يرسخ أبجدياتها في عقول طلبته، وماذا نتوقع أن يقدم شخص غير مؤهل علما وسلوكا للعملية التعليمية والتربوية سوى التراجع والإنهزامية في عقول طلبته.

4. ضرورة مراجعة التشريعات الخاصة بالتعليم في جميع المراحل، يشارك فيها أكاديميون وقانيون من محامين وقضاة من ذوي السيرة
تعزز من مكانة المعلم والأستاذ الجامعي وهيبته الإعتبارية يرافق ذلك توجيه كافة المؤسسات من أعلام ومؤسسات مجتمع مدني وتفعيل مفهوم المدرسة الموازية (دور الأهل) لدعم المعلم والأستاذ الجامعي لإنهم الأمناء على مصلحة أبنائنا الطلبة.

إن خطابات جلالة الملك المتكررة ركزت على ضرورة ايلاء القيم النبيلة كل اهتمام وإعتبارها ركيزة من ركائز البناء التربوي والأخلاقي للأجيال وإدخالها كعنصرهام في قطاع التعليم وضرورة البدء في إصلاحه الشامل لينعكس ذلك على قطاعات التنمية المختلفة، وخطاب جلالة الملك أمام مجلس النواب يضعنا جميعا في مدارسنا وجامعاتنا أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية للنهوض بالتعليم وضرورة العمل بأعلى درجات التعاون والتنسيق بين المؤسسات ذات العلاقة بعيدا عن الأجندات الخاصة والمصالح الضيقة والشللية التي تدمر ولا تبني.

خطاب العرش الملكي السامي يدعونا إلى مواجهة عملية إصلاح التعليم الشائكة والمعقدة بجرأة وعلم وأمانة ودون مجاملة لأحد على حساب الوطن ومستقبل أبنائه ولنتذكر أننا ماضون وأن الوطن هو الأبقى والأغلى والأكبر منا جميعا،وحفظ الله الأردن أرضا وانسانا ومقدرات ودام جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين سيدا وقائدا.

* رئيس جمعية أعضاء هيئة التدريس سابقا/ عميد أكاديمي سابق

جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات