اغلاق

احمد ابو غنيمة : سر سيارة " الكورفيت " التي اهداني إياها والدي قبل 45 عاماً !!!


سته وأربعون عاماً أمضيتها من عمري بمعية الراحل العظيم، لا يمكن أختزالها بمقال أو مقالين، بل هي صفحات مفتوحه من الذكريات التي تؤطر بمداد من ذهب، ذكريات جميلة أختزنها في ذاكرتي مع الوالد الحبيب رحمه الله، بدأت بسيارة " الكورفيت " ، ولا تنتهي باللحظات الاخيرة من حياته التي كنت حاضراً وشاهداً عليها، ردد اسمي مرتين قبل أن يُسلم الروح إلى بارئها، سبقها رضاه عني أكثر من مرة، وسبقها حديث عما يمكن ان نعمله لننهضه من وعكته الصحية رحمه الله ولكن إرادة الله كانت أقوى وأمضى.

فلا زالت في ذاكرتي التي أرهقها النسيان، سيارة " الكورفيت " البيضاء التي احضرها لي والدي رحمه الله قبل أكثر من خمسة وأربعين عاماً ( العام 1975 ) بعد زيارته للولايات المتحدة أبان عمله في شركة مناجم الفوسفات في منطقة الحسا جنوب الأردن.

ولا زلت أذكر بعض الذكريات الجميلة عن زيارتنا برفقته إلى تركيا براً في العام 1976، مروراً بسوريا وانتهاء باسطنبول التي درس فيها، هذه الزيارة التي حببّتنا بتركيا التي كان يتحدث بحماس شديد عن ذكرياته فيها.

ولا زلت أذكر بفرح غامر تدليله لي في صغري وإطلاقه علي لقب " أبو شقره " نسبة إلى شعري الأشقر آنذاك قبل أن تطيح " بشقاره " تقلبات الزمان ، وأذكر كذلك كرمه معي زيادة عن إخواني محمود ومحمد في تجهيزات قرطاسية المدرسة في النصف الثاني من السبيعينيات.

ولا زلت أذكر كيف كان يصحبنا معه إلى مسجد الشريعة في جبل اللويبدة في النصف الثاني من السبعينات حيث كان يلتقي بإخوانه وأحبابه من الإخوان بعد صلاة الجمعة يتناقشون ويتباحثون في امر الدعوة وكيف السبيل إلى نهضة المسلمين من عثراتهم.

ولا زلت أذكر كيف كان يصحبنا كل صباح إلى مدرستنا الكلية العلمية الإسلامية وهو يشدو بصوته الجميل مردداً آيات من القرآن الكريم وناصحا وموجها، وأذكر اول مصروف للمدرسة تسلمته منه رحمه الله كان خمسة قروش كنا نشتري بها سندويشة و" قنينة " بيبسي.

وأذكر أول مرة تابعت فيها اخبار جماعة الإخوان المسلمين، كانت في العام 80 حيث كنت أتابع معه اخبار الجماعة في سوريا وصراعها مع النظام في ذلك الوقت. وأذكر أنه أسمعني وقتها تسجيلات صوتية رصدها الاخوان السوريون لبعض ضباط النظام السوري.

ولا زلت أذكر حماسه الشديد وتشجيعه الدائم لشقيقي الحبيب محمود أبان دراسته الجامعية للمشاركة في المسرحيات والنشاطات الطلابية، وكيف كان يصحبنا معه لحضورها والثناء على محمود وزملاءه.

ولا زلت أذكر كيف شجعني للإنخراط في العمل الكشفي مع مجموعة خالد بن الواليد التابعة لنادي اليرموك، وكيف كان يشاركنا مخيماتنا الكشفية موجهاً ومربياً.

ولا زلت أذكر قفشاته عن مشاركتي المسرحية الوحيدة، في مسرحية " ثورة السنابل " في العام 88، حين كان المخرج استاذنا أشرف أباظة يطلب مني ان أقول " من قتل أبي يا جدي "، وانا لم اتقنها حتى أخرجت المخرج عن طوره وهدوئه.

رافقته في ندواته في مؤسسة عبد الحميد شومان في أواخر الثمانينات، وكان مصدر فخري آنذاك حين كان يتحدث إما محاضراً او معقّباً والكل ينصت له ويصفق بحرارة بعد مداخلاته الجرئية والعميقة.

ولا زلت أذكر عنوان المقال الذي رد به على المفكر المصري الاستاذ فهمي هويدي في العام 87 وكان عنوانه " بل هي فلسطين الإسلامية وتحريرها من البحر إلى النهر فريضة إسلامية ". وغيرها من المقالات التي كنت أتابعها اولاً باول وأستزيد منها علما وثقافة وفكراً . كنت لا أدخر وقتاً بقراءة كل ما كان يحضره من صحف ومجلات حين يعود من عمله، تصل في أحد الاحيان إلى سبعة أو أكثر أقرأها وأشاهده كيف يقوم بأرشفة المواضيع التي تهمه ومنه تعلمت هذه العادة الحميدة.

عاصرت تفاصيل نشاطاته اليومية منذ انتخابات 89 ومنه تعلمت الكثير الكثير عن أهمية الإعلام ودوره في التأثير في المجتمعات، وتعلمت منه كيف تصنع الخبر وكيف تنشره وكيف تستثمره لصالح الفكرة التي تؤمن بها، ومنه تعلمت كيف أعدّ مجلة أو نشرة فكنت أول من أعدّ نشرة للجنة التحضيرية لاتحاد طلبة جامعة العلوم والتكنولوجيا التي كنت رئيس لجنتها الإعلامية، وأصبحت بعد ذلك أقوم بإعداد نشرات خاصة بنقابة الصيادلة ومؤتمراتها.

ولا زلت أذكر ذلك اليوم في العام 1992، الذي أحضر لي نسخة مطبوعة من اول مجموعة قصصية قمت بإعدادها وكانت بعنوان " شيخ فلسطين احمد ياسين "، كان يتابع طباعتها اولا باول وكان يتملكه الفرح الشديد بصدرو اول مؤلف لأحد أبنائه بداية وبكون الموضوع يتعلق بالقضية التي ربانا على نصرتها والعمل من أجلها.

كنت أتابعه وأذهب معه إلى المطبعة وهو يُحضّر أعداد مجلة " أرض الإسراء " التي كان يشرف على تحريرها منذ منتصف الثمانينات ، وأصبح هو رحمه الله يتابعني بعد عشرين عاماً وأنا أجهز المجلة التي أقوم بإصدارها " علوم الصيدلة " منذ العام 2007، وبقي رحمه الله أول إنسان أزوده بكل عدد فور طباعته ليرى نتاج جهده معي وحرصه وتشجيعه لي على صدورها.

أول كًتب الوالد رحمه الله كان " مواقف بطولة من صنع الإسلام "، كان ملهماً لي ولأجيال كثيرة في قصصه وأحداثه التاريخية الخالدة، ومنه نسجت سيناريوهات لقصصاً مصورة كنت أنشرها في مجلات الاطفال.
كنت احرص على مرافقته في المسيرات والاعتصامات والندوات وخصوصاً في السنوات الأخيرة، فكان محل تقدير الجميع أن يشاركهم في نشاطاتهم هذا الشيخ الجليل بقدره ومكانته.

قبل ثلاثة أعوام قمت بجمع مقالاتي التي كنت أكبتها في المواقع الإلكترونية وأصدرتها في كتاب حمل اسم " هذا قلمي "، ولم أقل له رحمه الله أن الهدف من هذا الكتاب ، كان " الإهداء " الذي قدمته له في بدايته، عرفاناً مني بفضله عليي بعد فضل الله عز وجل.

وبعد،،،

كانت حياته عطاءاً لا ينضب لأهله ووطنه ودعوته ودينه، وكان رحيله استفتاءاً من أبناء الشعب الأردني الاوفياء على روعة العطاء ومحبتهم واحترامهم لمن أفنى حياته فداءاً لمبادئه وقيمه، لم يساوم ولم يهادن، بقي على العهد مع الله ومع الوطن، كسب محبة الناس واحترامهم في حياته وفي رحيله.
رحمه الله رحمة واسعه، وأسكنه فسيح جناته، ولا نقول إلا ما يُرضى ربنا سبحانه وتعالى " إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا والدنا الحبيب لمحزونون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



تعليقات القراء

طه عبدالوالي الشوابكه
نعم الذكريات والتجليات اكرم بالذكرى وصاحبها حين تكون المواقف نبراسا يقدمه السابقون للاحقين طريقا معبدا يلهمنا سواء السبيل.
هنيئا لمن يتوسد الذكريات العذاب وحسرة على من افتقر لها.شآبيب الرحمة على روحه
03-09-2015 06:20 AM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات