اغلاق

عاشق الحقيقة, بين سموِّ التجريد وإسفاف التجسيد


الروحُ أنتِ, يا ملاذَ الجسدِ المُنهك, يا وسادتي الوثيرة حين يوهنني السُهد والسُهوم, قلبكِ العامر يرفدني بماء الحياة, يبلل روحي الظمأى من جفوة النوى والهجران بين حين وآخر, أعلم أني جاحدٌ لكرمك وجودك الذي ما نضب ولا تراجع مذ كان, أدرك أني ابن قومٍ (غُزاةٍ, قُساةٍ, مُرتدين على كل العهود والوعود) ولكم مارسوا أمامي فتعلمتُ منهم طقوس الغدر منذ قابيل وهابيل, لكنني أيضا أعلم يقينا بأنك بنت قوم يسرقون بظرافةٍ وخفّةٍ الكحلَ من الأجفان, ها قد سرقتِني من حِضن أمي, من بين قومي, يوم سرقتي قلبا ذاب هوى في هواكِ, سرقتِني يا ملاكي من بين يديهم لكني كلما شردت من لظى جحيمك أعود نادما إلى صوابي, تائبا توبة نصوحا في حضرة شريعتك أمام حشد من قضاتك المتحزبين لك, أعي بأني الجاحد لكني أرفض أن أكون الغافل عن جدوى التمتع بعالمِكِ, كنتُ ولا زلتُ ذاك الشقيّ الذي يتنمّر على كل الأشياء والشخوص من حوله إلا أنت - الشيء والشخص معا - فقد قهرتِني ورددتِني على عقبيّ أشكو لشيخي الساذج قهركِ وهيمنة حضوركِ على قلبٍ غضٍّ ما نبض إلا ليكون دفقة من الدم القاني يجري كالنعاس خلسة في وريدك الحاني, قلبي اليوم أسيرٌ مثلما كان بالأمس رهينا لكل ما له صلة بك (الشجر الذي يحفُّ بحفيف يردد اسمك على نافذة الصبر والأمل بمحاذاة قصركِ, الحجر الناتئ الذي يردد أسفه حين تعثرتِ به يوم ارتديتِ جلباب الطاعة طقسا جديدا غريبا عليكِ يعيقُ سعيكِ للدنوِّ مني لكنه ترجمان منكِ للعشق الذي بيننا حين رجوتكِ لتتسربلي فيه غيرةً لا تديّنا من عابثين يسترقّون النظر إليك), قهرتِني بسطوتِكِ الكامنة في حتميّة عشقكِ, في نُبلِ قصدكِ وعفّة نفسكِ, فأنتِ أنتِ مثلما كنتِ الطاغيةَ طغيان الجبابرةِ في كسر هياجي وجنوني ولطالما لذتُ كسيرا أمامكِ إلى ركنٍ يظلني تحت جفنيكِ فمثلتِ بي وشفيتِ غليل قومكِ ثأرا عروبيا كليبيّ البوح تغلبيّ الهوى, أو كما هندٌ شفتْ غليلها من كبد حمزة.

أواه يا عمري الذي مضى والذي لم يأتِ منه بعد, كم أتوق إلى مِحرابٍ أصمٍّ مُصمتٍ لا نوافذَ له تطلُّ على عاذلٍ غيور, كم أتوقُ إلى ركنٍ فسيحٍ يضمني في حدقتيّ عينيكِ اللتين تتماوجان عبر سُلَمِ الجينات من بيزنطة حِدرَةَ اهليك البائدة إلى روما المجلجة وأنتِ ما تنفكين تتبخترين في استحواذكِ على تلك العيون بين دروب مؤاب وتيفلوس وجبل نيبو وعموّن, تتماوجين تموجا يمزج بعفوية لا مشاحة فيها بين زُرقة السماء الصافيةِ واخضرارَ الربيع المتعطّش إلى جرعةٍ من ماء الربِّ لأضحي غريقا لا علاقة له بفنون السباحة والتجديف.
أتوق إليكِ وأنا اليوم أشكو الهجر في أتون الهجير, اتذلهب, أتقافز كالقرد الأهوج مسلوب الإرادة يلدغني سعير البعد عنكِ, اهذي كالمخمور من حُمّى غيابي غير المقصود, كل ذلك وأنتِ تمنحينني قامةً أطول من قامتي, تداعبين فيّ - بحنوٍّ مفرطٍ - غروري وهوايتي في إظهار أبهتي وحضوري الزائف زيف ابن سلول مع أكرم الخلق أجمعين, تكذبين عليّ كذب أمٍّ مبتلاة في رؤومتها مع طفلها المتعثر المسكين وهي تعلم حقيقته حين كنتِ من شأني البائس تعظمين, تجعلين مني عنوة عاشقا أسطوريا ملتزما بينما أنا صعلوك فاجر متسيب لا قلب له, فتى يتمرد كلما سنحت له الفرصة على تعاليم عبس وأزد وتميم وكل قبائل العرب قبائلي.

كيف لكِ أن تقرين بذلك الجنون الذي فيه اختالُ وأكابرُ, كيف لكِ أن تقنعي وتتجملي لي بحلمٍ بكِ كان منذ خُلقتِ يتردد بين الإحجام والإقدام, ليتحول إلى طمعٍ صبيانيّ ثم حقيقة ماثلة تبدّتْ عيانا حين خضعتُ أسيرا في زنزانة قبولكِ واستحسانكِ وقد صرتُ مع الظفر والفوز بك قرينا لصيقا لا يرى في الفشل بادرة.

أيتها العزيزة الفريدة المتفردة, يقتلعني الاشتياق من جوفِ عجزي وانكساري, وها هي كلماتكِ وأشعاركِ تعصف بي, تثور روحي من رقادها بفسوخ من بقايا عطركِ خفيف الظل هيولائي القسمات أثيري الوطء كآخر غبار المعركة المتفسخ على صهوة الريح, عطركِ رغم تعاقب السنين لا زال يتراقص على شغاف وريقاتكِ ومراسلاتكِ حبيسة الذكرى في أدراجي يوم كان ردك حازما على مضامين أوراقي ومشاكساتي, يفزّ قلبي ويهتاج كلما تذكرت وعدا قطعناه منذ ألف سنة والقرون تتبع القرون, عهدا عقدناه كالوسم فوق جسدٍ مُعنّفٍ معذبٍ في سجون الظالمين, وسمٌ ابديٌّ يتربع على مثلث العشق في جسد شجرة غورية كانت فيما مضى فتيّة بفتوّة عشقنا إبّان كنا صبية نلهو بعيدا عن أعين أهلينا, اليوم أتوق إلى لقاء تاريخي مع تلك الشجرة التي رسّختْ ووثقتْ بصبر وإيثار شروط العقد الذي بيننا فوشمتْ على مفاتن جسدها فوق أعزّ عنوان من عناوين شرفها عهدا لن ينفك إلا بانعتاق الروح إلى بارئها.

الشجرة وما يدريكِ ما تلك الشجرة؟ هناك في الغور الأوسط كان الصحب يمارسون طقوس الترحال في الخلاء بشواء ونفخ على جمر اللهفة لإنضاج لقمة هانئة غير إنها لفتاكِ المتيمِ بكِ كانت ضربا من ضروب النافلة ولسان حاله يقول كما قالت الصعاليك (أديمُ مطالَ الجوعِ حتى أميتَهُ ........وأضربُ عنه الذِكرَ صَفحَاً فأذهَلُ‏), هو نفس الفتى فتاكِ الذي عاف زاده وأهمل زوادته منذ هدّه سقم عشقكِ وأذهله, وقتذاك غافلتهم وتسللتُ من بين عيونهم ومن خلفهم, وإذ بي احفر اسمكِ في حضرة غيابكِ على جذعٍ رطبٍ في خاصرة تلك الشجرة, عدت إلى حيّنا الفقير فرِحا منتصرا والشوق يأكل المسافات الشاسعة لأخبركِ بما فعلتْ يداي وبما خطَّه قلبي ليظل نقشُ اسميّنا مستحوذا حتى اللحظة على ثرثراتي, اليوم أرنو إلى لقاء مع ذات الجذع في ذات الشجرة التي هرِمتْ وشاختْ وأوهنتْ سبُلَهَا رذائلُ الإهمال واسفافاتُ الحياة الصاخبة بينما أكلتْ ملامحها معاولُ السنين الظالمة, فهلا ساعدتِني مولاتي للعثور عليها لشحذها وكنس ما اعتلاها؟ حينها سأجدد عهدا ووعدا بالوفاء إليكِ واثبْتُ لك أني ما خنتُ يوما عهدَكِ, يا سجّانةً منذ ألف ألف سنة طوّحتْ في اليّم الداكن البعيد مفاتيح أصفادي.

shawabkehtaha@yahoo.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات