اغلاق

معركة أحد .. دلالات وعبر لمن اعتبر .


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ثم الحمد لله نحمدُهُ سبحانَهُ وتعالَى علَى جودِهِ وإحسانِهِ ونسألُهُ الفوزَ بجنَّتِهِ ورضوانِهِ.وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ،له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمَّداً عبدُ اللهِ ورسولُهُ وصفيُّهُ وخليلُهُ. وبعد :

في يوم السابع من شوال ،في السنة الثالثة للهجرة،وقعت غزوة أحد،غزوة أُحد واحدةٌ من الأعمال العظيمة في دين الإسلام،وكان سببها أن المشركين لما انهزموا في معركة بدر أرادوا أن يثأروا لأنفسهم ولأصنامهم من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه،فخرجوا في ثلاثة آلاف مقاتل حتى وصلوا المدينة وخرج إليهم المسلمون لصدهم،وانتصروا عليهم أول الأمر،ولكن لما خالف الرماة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وتركوا موقعهم على الجبل انقض عليهم المشركون،فكانت الهزيمة،واستشهد من المسلمين سبعون رضي الله عنهم،كما خسر المشركون في أول المعركة ثلاثة وعشرين قتيلاً.ولقد تحدثت سورة آل عمران عن غزوة احد وملابساتها حتى تكون تشريعًا للأمة ودرسًا عظيمًا لها. فلقد تكفَّل الله تعالى بنصرة عباده المؤمنون في أي زمان كانوا وفي أي مكان وجدوا؛ لكن النصر هذا مشروط بقوله تعالى:(إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ).وقال تعالى:(وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ). ولقد انتصر المسلمون في أول الإسلام في جميع المعارك التي خاضوها، فعندما استقاموا على شرع الله كان النصر حليفهم في فتراتٍ كثيرة من التاريخ الإسلامي إلا غزوة أحد وذلك بسبب مخالفة الصحابة أمر الرسول صلى الله عليه. كان لا بد من التذكير في هذا الحدث التاريخي من سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لنستنبط بعضاً من الدروس والعبر مما جرى من الأحداث التي وقعت في تلك الغزوة،والتي تكشف لنا حقائق الواقع المعاصر الذي نعيشه الان.

فحينما نتحدث عن أحداث التاريخ وما فيها من عبر وفوائد ودروس تربوية للدارسين فإن من أكبر الأمثلة التي ترفرف أمام ناظرينا خفاقة حادثة غزوة أحد وما احتف بها من أحداث وما اقترن بها من عبر خالدة عبر التاريخ، وذلك لما جمعته في طياتها ما بين الحزن والفرح والألم والأمل والابتلاء والمحنة والمنحة، وما كان فيها من ملامح تربوية فذة لم ينسها أصحابها ما عاشوا فوق هذه البسيطة،ولا نسيها من نقلها عنهم فردًا فردًا. فبعد الانتصار الذي حققه المسلمون في غزوة بدر،شاء الله أن يمتحن عباده المؤمنين،ليميز الصادقين من المنافقين،فكانت غزوة أحد التي حصل فيها ما حصل للرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة،وأنزل الله على إثرها آيات تتلى إلى يوم الدين،فنزلت ثمان وخمسون آية من سورة آل عمران،تتحدث عن هذه الغزوة،ابتدأت بذكر أول مرحلة من مراحل الإعداد للمعركة في قوله تعالى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). وانتهت بالتعليق الجامع على نتائج المعركة، والحكم التي أرادها الله منها فقال سبحانه:(مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ). فلقد وصفت هذه الآيات المعركة وصفاً دقيقاً،وسلطت الضوء على خفايا النفوس، ودخائل القلوب،وكان فيها تربية للأمة في كل زمان ومكان، ودروساً تتوارثها الأجيال تلو الأجيال،ففي غزوة أحد ظهر أثر المعصية والفشل والتنازع في تخلف النصر عن الأمة،فبسبب معصية واحدة خالف فيها الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم،وبسب التنازع والاختلاف حول الغنائم،ذهب النصر عن المسلمين بعد أن انعقدت أسبابه،ولاحت بوادره ،فقال سبحانه: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ،مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ).

فكيف ترجو أمة عصت ربها، وخالفت أمر نبيها،وتفرقت كلمتها أن يتنزل عليها نصر الله وتمكينه. وما أحرى أمتنا وقد أشُغلت بنفسها،وتنازعتها الأهواء وأعُجب كل ذي رأي برأيه،وخون كل منهم الآخر،واستعلى عليه،وفضل نفسه على أقرانه وإخوانه،ولم يأبه بهم في أي الأودية هلكوا مادام هو سليمًا معافى، ما أحراها أن تتدارس هذه الغزوة العظيمة المليئة بالفوائد والعبر والعظات،وأن تطبق ما جاء في التعليق عليها في سورة آل عمران من توجيهات،وأن ترسم لنفسها خطًا جديدًا في علاقتها مع ربها لتحقق النصر على أعدائها.

فلما خالف المسلمون في هذه العصور أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وتركوا العمل لدينه والاعتزاز بشريعته،ولما ضُيعت كثيرٌ من شعائر الدين،وانشغل المسلمون بشؤونهم الخاصة وشهواتهم وملذاتهم، غاب النصر عنهم،وكانت الهزائم المتتالية عليهم،وتسلط عليهم كلٌّ عدوٍ لهم من كافر ومنافق،وصاروا أفقر الناس وأخوف الناس وأذل الناس،ولقد أراد الله لهم أن يكونوا خير أمةٍ أخرجت للناس،ورزقهم الكثرة البشرية،والموقع الجغرافي المتميز،والثروات المختلفة،مع منهج رباني حكيم يهدى للتي هي أقوم.

فإن ما يصيب المسلمين اليوم هو السبب نفسه الذي أدى إلى هزيمتهم يوم أحد؛إنه يتمثل في قول الله تعالى :(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ).

ولنعلم جميعا إن الحق له أعداء منذ أن خلق الله البشرية ،والهزيمة لا يصح أن تنسب إلى الأعداء فقط، وإنما يجب أن تلحق بالخلل في تمسك المسلمين بإسلامهم،كما قال تعالى:(قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ). وكما قال تعالى:(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).وقد تنزل المصائب بالمؤمنين الموحدين لسببين:إما بسبب المعاصي التي يفعلها الفساق دون إنكار من الصالحين،وإما بسبب قدرٍ من الله تعالى؛ليبتلى عباده وليختبرهم وليميز الخبيث من الطيب،وحتى يتعرف كلٌ مؤمن صادق على جوانب الضعف والخلل فيسرع في معالجته.

أحدٌ بكل ما جرى فيها نصر لا هزيمة، معركة فياضةٌ بالعبر والعظات،أحداثها صفحات ناصعة،يتوارثها الأجيال بعد الأجيال،وأنزل الله فيها ستين آية في كتابه المبين تتلى إلى يوم القيامة،كان لها أثر عميق في نفس النبي صلى الله عليه وسلم،ظل يذكره إلى قبيل وفاته.فإن هذا الدين وصل إلينا بعد كفاح مرير من الصحابة والأسلاف، ذاقوا فيه مرارة المصائب والمحن،تقطعت منهم الأشلاء والأجساد،وترملت النساء، قدَّموا أرواحهم فداءً لهذا الدين،حتى وصل إلينا كاملاً متمّمًا،فاقدروا لهم قدرهم، واشكروا لهم سعيهم،وترضوا عنهم،فقد أحبهم ربهم،رضي الله عنهم وأرضاهم. وبالمعاصي تدور الدوائر،ففاضت أرواح في تلك الغزوة بسبب خطيئة،وخرج آدم من الجنة بمعصية،ودخلت امرأة النار في هرة،وكل المصائب التي تقع في الأمة أو تصيب المجتمعات وحتى الأفراد إنما هو بسبب المعاصي والآثام. فاتقوا الله واحذروا المعاصي صغيرها وكبيرها،وانصروا دين الله بالغالي والنفيس.

جامعة العلوم الإسلامية العالمية
كلية الشيخ نوح للشريعة والقانون



تعليقات القراء

متابع جدا
لا اعرف ما الجديد في مقالك ؟؟
01-08-2015 05:42 PM
حسان النعيمي
صدقت دكتور وبارك الله بك فأمة رجل الدين فيها يسب الله وامة رجل الدين فيها يلحق زوجته في الشارع العام ويضربها امام الناس امة تعبانة كثير لانها امة تنظير فقط
نشكرك على المقال
01-08-2015 05:45 PM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات