اغلاق

حول الموقف الوطني للإعلام


تفجأت في حجم ردود الفعل السلبية والتشهيرية في الإعلام المحلي، سواء في الصحف أو مواقع الانترنت، ضد تقرير "هيومن رايتس ووتش" الأخير حول "التعذيب في السجون الأردنية".

مصدر الغرابة مسألتان، الأولى؛ أنّ التقرير لم يكن مُجحفاً، كما وصفته العديد من المقالات والتحليلات، بل ميّز بصورة جيدة وموضوعية بين السياسات الرسمية الجديدة التي تسعى إلى تحسين أوضاع السجون، وقد بدأت بعض مخرجاتها تظهر، وبين الواقع الحالي الذي لا تزال الاستجابة إليه دون المستوى المطلوب لهذه السياسات.

كما ميّز التقرير بين وجود "تعذيب روتيني" في السجون، وبين عدم وجود "سياسة ممنهجة" تُشرعِن التعذيب وتُسبغ عليه غطاءً رسمياً. وهي شهادة مهمة على تطوّر موقف الأردن خلال السنين الأخيرة.

المسألة الثانية، في مصدر الغرابة من الهجوم الإعلامي، أنّ الجهات المسؤولة المعنية فتحت المجال لمُعدّي التقرير لزيارة السجون وتعاونت معهم إلى أقصى الحدود، بشهادة التقرير نفسه. ما يعني أنّ الموقف الرسمي يتعامل بمصداقية وجِدّية مع هذه التقارير الدولية التي تمثل، شئنا أم أبينا، جزءاً مهماً من صورة الأردن لدى المؤسسات السياسية والإعلامية الدولية.

أغرب ما في الأمر، ما يضع علامة استفهام حقيقية على المهنية الإعلامية، أن تجد تغطيات صحافية شنّت هجوماً شرساً على التقرير وردّت عليه وسوّدت صفحات وعناوين في ذلك، من دون أن تُقدِّم للقارئ ماذا قال التقرير نفسه؟! وكأنّ الصراع هو مع "أشباح" لا مع مؤسسة دولية، لها موقعها على الانترنت، وتُصدر تقارير تقرأ في مختلف دول العالم.

هل هذه السياسات الإعلامية وذلك النوع من المقالات يعكس "الموقف الوطني" المطلوب في الإعلام؟ أم أنّنا أمام "عدم إدراك" وحالة من الضبابية تصيب دور الإعلام الحقيقي ورسالته المهنية، الوطنية والأخلاقية؟..

أجزم أنّ الموقف الوطني المطلوب مختلف ومغاير تماماً. ولعلّ هذا يقودنا إلى وقوع جزء كبير من الإعلام المحلي أسيراً لأزمتين، إما القيام بدور "شاعر القبيلة" و"ساعي البريد" أو "النظرة السوداوية" وجلد الذات الدائم.

الموقف الوطني في الإعلام لا يتجسّد في صورة "شاعر القبيلة" الذي يتجاوز ويقفز على الأخطاء والنقد الذاتي ومناقشة السياسات، بل وعن رسالة الإعلام المهنية والأخلاقية، للقيام دوماً بترويج السياسات والقرارات الرسمية كافة والتغني بها وكأنّها منزلة من السماء.

في المقابل هنالك أزمة "الإعلام المازوشي" الذي يرى الوطن بمنظور أسود، ويتجاوز كل الإيجابيات والفرص والتحديات الحقيقية، ويركز فقط على نظرته هو للسلبيات. وهو أقرب إلى موقف أيديولوجي مُعلّب لا علاقة له بالمهنية الإعلامية من قريب أو بعيد.

الموقف الوطني للإعلام، ليس هذا الاتجاه ولا ذاك، هو أن يجسّد واقعياً مفهوم إعلام الدولة والمجتمع، فتكون رسالته بوضوح المهنية والموضوعية، فيرتفع ليكون منارة وطنية وعلامة مسجلة للدولة، فلا يضلل ولا يخدع، ولا يزوّر الحقائق.

الأهم من ذلك أن يرتفع الإعلام لأن يكون بالفعل سلطة مستقلة مثلها مثل السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، يقوم بدوره الرقابي والتنويري والتنموي المطلوب. أمّا إذا فقد الإعلام استقلاليته فقد انتهت مصداقيته وتحول إلى صدى لصوت السلطة، وإلى وظيفة "ساعي البريد" أو "شاعر القبيلة" أو "طبّال الحي".

رسالة الإعلام الوطنية والأخلاقية لا تتمثل بمديح السلطة ولا جلد الذات، إنما بالدفاع عن الدولة والمجتمع، وعن حقوق الإنسان والحريات العامة، والتنبيه على مواطن الفساد والخلل، ونقل الواقع كما هو بلا تضخيم أو تسخيف.

m.aburumman@alghad.jo



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات