اغلاق

لنبني جسراً من الأمل على نهر من اليأس!


رسام ليس كغيره من الرسامين, رسام رفض العنف وأحب الحياة, رسام أطاعته الريشة والألوان, رسام انتقد«بيكاسو»عندما قام برسم مذبحة كوريا عام 1951, فمن هو يا تُرى هذا الرسام؟

...انه«باوزر», ولد هذا الرسام في كندا ودرس فيها الرسم والتصميم, وقد تأثر منذ بداياته بـالرسام «غورو» ونسائِه الصامتات المتأمّلات, كما تأثر بـالرسام «رشتادت» الذي اشتهر بمناظره الطبيعية ذات السمات الناطقة, هذا الرسام وبعد كل التأملات رسم لوحته المشهورة, لوحة«الصـحــوة»عام 1998, وتعتبر هذه اللوحة من أروع اللوحات التي حاول الرسام «باوزر» من خلالها مسح جميع المآسي التي تعيشها الإنسانية في هذا العصر, نعم حاول التخفيف من خلالها من معاناة وهموم ومشاغل الإنسان المتعددة, وعمل على التخفيف ما أمكن من الصراعات والمشاكل والفوضى التي تقع هنا وهناك في هذا العالم، مؤكدا أن هناك في هذا الكون الكثير من مفردات التفاهم, وعناصر الجمال الذي لا تحدّه حدود.

لقد تأمل هذا الرسام الكندي بالعديد من اللوحات العالمية الشهيرة, تأمل كثيرا بلوحة «الطفل الباكي» للرسام جيوفـاني, وبلوحة «الموناليزا» للرسام يوناردو, تأمل رافضا الحزن والقهر, تأمل في هذه اللوحات وغيرها مستنكرا القتل والدمار السائدة على مساحة الكرة الأرضية, تأمل ليمسح آثار وبقع الدماء النازفة من جميع لوحات الرسامين في جميع أنحاء العالم, ...وبعد كل ذلك تأمل صادقا ليرسم للبشرية لوحته التي اشتملت على جميع عناصر التفاؤل, ورفض العنف, ...أنها لوحة«الصـحــوة».
أنا بكل صراحة كنت كغيري من المعجبين سابقا بلوحة «الطفل الباكي», وبلوحة«الموناليزا», وبلوحة«مذبحة كوريا», وغيرها من اللوحات, لكن وبعد فترة طويلة من الزمن اكتشفت أنها تحمل في ثناياها جميع معاني الحزن والقهر, والتسلط والقمع, واكتشفت أيضا أنها تحمل في مضامينها عدم تقبل الآخر ورفضه, اكتشفت فيها الهو (ID) وهي أول مكونات الشخصية الثلاثة التي اكتشفها عالم النفس الشهير« فرويد» حيث أن هذا المكون يعبر عن العمليات العقلية المكبوتة.

بحق كان الرسام الكندي «باوزر» وما زال رائعا بلوحته«الصـحــوة», كيف لا وقد وظّف في هذه اللوحة, مواقف تأملية ووجدانية عديدة، فقد مثل الجمال وقوى الطبيعة تمثيلا صادقا, لقد جاءت هذه اللوحة بفتاة تسير بين الثلج والمساء! تتناثر حولها ستّون زهرة «لوتس» ترمز لإبداع الخالق, وحولها فوانيس مضيئة بلون القمر, بينما تمسك بيدها وردة ترمز إلى حضورها الدائم الذي يولّد في العالم أمواجا من الضوء الواهب للحياة, وحول الفوانيس القمرية الجميلة، تطير سبع حمامات بيضاء تحوم حول الفتاة, بصحبة سرب من الفراشات الراقصة المتمايلة, ويوجد خلف الفتاة أقواس جميلة جدا بلون الغسق, تعبر عن تراث الماضي الجميل, وتعبر عن عبق الحاضر المتفتح.

لوحة«الصحوة», لوحة تختزل الوجدان الحيّ في هذا الكون, وتكتشف الحياة وجمال الكون المختبئ وراء المظاهر المادّية والمصطنعة للأشياء، وفتاة هذه اللوحة رمزا للخصب والتجدّد والخلق والنماء, هذه الفتاه ترفض مع الحمامات البيضاء الحزن والقهر, وتستنكر القتل والدمار, وتمسح بثوبها مع الفراشات المنتشرة بقع الدماء النازفة على أرضية اللوحة, اللوحة تكشف عن أحوال وأمزجة الناس في هذا الزمن البائس, وتدعو إلى الارتفاع عن الأحزان والمآسي التي يعيشها بنو البشر, ...بقي أن نقول علينا البحث عن نقاط الأمل والتفاؤل في جميع اللوحات التي نتوقف عندها في هذا الكون, فالكون لوحة مكبرة, وان أجمل وأروع هندسة في العالم أن نبني جسراً من الأمل على نهر من اليأس.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات