اغلاق

ضرورات تفعيل بند ''المشاركة الشعبية''


اخيراً وجدت الاحداث الساخنة، التي اندلعت في مدينة معان، طريقها الى التهدئة والتنفيس والتبريد، ورجعت الاوضاع هناك الى سابق عهدها المعتاد.. غير ان الجمر ما زال مشتعلاً تحت الرماد، والاحتقان ما زال يشكل قنبلة موقوتة على اهبة الانفجار، والاسباب التي ادت الى العنف ما زالت حاضرة ومتوفرة وقريبة من الغليان.

اما في المدن والمناطق الاردنية الاخرى، فالاوضاع ليست افضل حالاً منها في معان، حتى وان كانت هذه المدن تعبر عن ضيقها وتبرمها بمستويات منخفضة من العنف والاحتجاج.. فالفارق ليس في شمولية الازمة التي تلف الجميع، بل في كيفية التعبير عنها التي تختلف بين منطقة واخرى.

صحيح ان ''الربيع العربي'' قد اسفر عن فواجع لا روائع، وان الحراكات الشعبية الاردنية قد انخفضت ثم تلاشت ولم تعد تشكل عنصر ضغط على صناع القرار.. الا ان سؤال الاصلاح السياسي والاقتصادي ما زال يبحث عن اجابته، ومبتدأ المشروع الديموقراطي التنموي الواعد بالعدالة الاجتماعية والمشاركة الشعبية ما زال في انتظار استكماله، ووضع نقطة كبيرة في آخر سطوره.

ليس من الحكمة والحصافة الاطمئنان الى هذا الهدوء الظاهري البادي فوق السطح، او الاعتقاد بان الاخطار قد اصبحت خلف ظهورنا وليس حولنا وامامنا، او اللجوء الى دفن الرؤوس في الرمال وترك المقادير تجري في اعنتها - كما يقول الشاعر.. ''ولا تبيتن الا خالي البال''.

الصحيح ان نستبق الاحداث ولا ننتظر وقوعها، وان نستعد لها قبل ان تباغتنا مفاجآتها وتأخذنا على حين غرة، وان نتوقى الاسباب وننقي المنابع والقنوات تلافياً لتفاقم الاحداث وتلوث المصبات، وان نعمل براحة وروية ودون ظروف ضاغطة كي لا نضطر للعمل الارتجالي والانفعالي تحت وقع الاعمال العنفية الساخنة.

من هنا يحضرني اقتراح وقائي واستباقي متواضع ادعو الله ان يحظى باطلاع صناع القرار، لا ليأخذوا به ويعمدوا الى تطبيقه على الفور، بل لمجرد ان يتلطفوا ويتعطفوا بمناقشته جدياً، وتمعنه ملياً، قبل ان يقرروا نبذه او الاخذ به او اثراءه وتطويره.

ذات وقت اعقب انتفاضة نيسان المجيدة عام 1989، تسيد ساحة القول والكتابة في بلادنا مصطلح ''المشاركة الشعبية''، ربما باكثر مما تسيدها آنذاك من مفردات وشعارات ومصطلحات اخرى مثل.. الحرية والديموقراطية والفساد والاستبداد والميثاق والحياة البرلمانية.. الخ، غير ان هذا المصطلح الشعبي الجميل لم ينل حقه من النجاح، ولم تتم ترجمته الى فعل لازم وامر واقع، بل سرعان ما ابتلعته وابتلعت غيره من الشعارات والمصطلحات الوطنية والديموقراطية، معاهدة وادي عربة المشؤومة والمسمومة التي غيرت الكثير من المواقف والثوابت، وبدلت العديد من المعادلات والاولويات.

خلال حراك السنوات الثلاث الماضية التي اندرجت تحت عنوان ''الربيع العربي'' لم يتردد كثيراً مصطلح ''المشاركة الشعبية''، ولا حظي بتلك الاهمية القديمة التي توفرت له بعد انتفاضة نيسان.. ربما لان الحركة الاسلامية التي ركبت موجات هذا الربيع، وتسلمت زمام امره، لم تكن في وارد المشاركة الشعبية، بل كانت في صدد المشاركة - او حتى الاستئثار - بالحكم والسلطان في الاردن وغيره من الاقطار العربية.

في تصوري ان اسلوب المشاركة الشعبية في ادارة شؤون البلاد والعباد، وفي مباشرة التحاور والتشاور بين ممثلي السلطة الرسمية والقاعدة الشعبية لحل المشاكل والازمات قبل تفاقمها، واشاعة روح المودة والثقة بين الحاكم والمحكوم، واعتماد منطق التسامح والتفاهم والتصالح والتنازلات المتبادلة.. قد اصبح ضرورياً ووجوبياً وحتى اجبارياً، في ضوء حالة سوء الفهم وانعدام الثقة واحتدام الخلافات والمنازعات السائدة حالياً بين القطاعات الشعبية والدوائر الحكومية.

لاعتبارات وطنية عامة وليست سياسية فقط، ولغرض تعزيز نهج التحكيم وليس التحكم، وبذهنية منحازة للدولة بكليتها وليس للحكم او المعارضة على وجه التحديد، يتعين الشروع فوراً في تشكيل هيئات مناطقية مشتركة تضم ممثلين عن الحكومة وعن المجتمع، وتجتمع دورياً او كلما لزم الامر، بغية استعراض الاوضاع والمستجدات في مناطقها، واتخاذ القرارات والتوصيات والحلول المناسبة للازمات دون ضغط واكراه، بل بكل حرية وبمنتهى المسؤولية الوطنية.

في مثل هذه الاحوال العربية، وبضمنها الاردنية، المزمجرة والمتفجرة، لم تعد البرامج والسياسات والقرارات الفوقية الهابطة على الناس بالمظلات، والمصنوعة في دوائر الحكم المركزية البعيدة عن ساحات الاحداث وميادينها، دقيقة وناجعة ومؤهلة لاجتراح الحلول والمعالجات الصائبة للازمات والهموم والتحديات الراهنة، بل لا بد من ''توطين'' هذه البرامج والمشروعات والسياسات، واشراك قادة المجتمعات المحلية في صناعتها وتسويقها وتطبيقها، واتاحة الفرصة امام المواطنين للتعبير عن وطنيتهم من خلال نصرة الحق، واداء الواجب، وتحمل المسؤولية، واسناد الاجهزة الرسمية - وربما استباقها- في التصدي لدعاة الفتن والنعرات والفوضويات، وفي الحفاظ على الامن والطمأنينة والسلم الاهلي، باعتبارها اهم الضرورات والاحتياجات الشعبية والمجتمعية عامة، وليس الحكومية والنظامية فقط.

لو كنا اعتمدنا اسلوب ''المشاركة الشعبية'' في مدينة معان وغيرها، ولو كنا انشأنا هيئة وطنية تضم ممثلين حكماء وعقلاء عن الحكم والاهالي، وتتولى المساهمة في تشخيص الاوضاع وتصريف الامور واعطاء كل ذي حق حقه، لما وصلنا بالامس القريب الى اطلاق الرصاص وسفك الدماء، وتسعير حدة المباعدة والبغضاء، وترك ابواب المستقبل مفتوحة على كل الاحتمالات.

في سوريا الجريحة التي يتكالب عليها العربان والزعران وزبانية اردوغان، تنهض لجان وهيئات المشاركة الشعبية هذا الاوان بمهمات وادوار جليلة وناجحة على درب تهدئة الخواطر، وتقريب وجهات النظر بين الحكم والمسلحين، وانجاز سلسلة من المصالحات الوطنية التي من شأنها، ليس حقن الدماء وطي صفحة العداء فحسب، بل سحب البساط ايضاً من تحت اقدام فصائل المعارضة المزعومة، وقياداتها المكدسة في الخارج.

ورغم انني لا احترم الزعيم السوفيتي الارعن ميخائيل غورباتشوف، ولا اتفق مع بدعة ''البيرسترويكا'' التي قادت الاتحاد السوفياتي الى الدمار، وشكلت سابقة ''للربيع العربي'' التعيس .. الا انني توقفت طويلاً امام عبارة/حكمة قالها لقادة المعسكر الاشتراكي عند منتصف عقد الثمانينات : ''عندما تصلون متأخرين، تتكفل الحياة بعقابكم''.. أليس ذلك كذلك يا صناع القرار واولي الالباب ؟؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات