اغلاق

ضحايا كازينو القمار الأمريكي


ربما لم يكن يتصور الكثيرين أن الزلازل السياسية والعسكرية التي أحدثتها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش في العالم، نتيجة أخطائها وخطاياها، بدء من أفغانستان وصولاً إلى دارفور، ومروراً بالعراق ولبنان والباكستان وغيرها من الدول التي ابتلاها الله بلعنة (نشر الديمقراطية) التي هبطت على الرئيس بوش (وحياً ربانيا ورسالة كونية) أنها سترتد على الداخل الأميركي وتقوض استقراره المزعوم اقتصادياً واجتماعياً. فلقد أرهقت تلك السياسات النظام الأمريكي مالياً وعسكرياً وأخلاقياً، ولهذا ارتد اليوم كل شيء إلى الداخل، وانخرط (المصلحين) من المحافظين الجدد في "المواجهة" الاقتصادية لأكبر أزمة عرفتها الولايات المتحدة منذ نصف قرن.

ومن المعروف اليوم أنه لا توجد رأسمالية واحدة في العالم، بل النظام الرأسمالي هو عبارة عن (رأسماليات) مختلفة ومتخالفة بالنسبة لممارساتها ولآيديولوجياتها. وأعتقد أنه منذ انتهاء الحرب الكونية الثانية برزت ممارستان أساسيتان للرأسمالية، إحداهما في أوروبا الغربية والأخرى في الولايات المتحدة الأمريكية .

وكما قال الدكتور علي محمد فخرو رئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث في مقاله الهام (هل سنراجع الرأسمالية التي تبنيناها؟)
"الرأسمالية الأمريكية نحت دوماً نحو رأسمالية السوق الحر غير المقيًّد وغير المنضبط وغير الحامل لمسؤوليات اجتماعية. بينما الرأسمالية الأوروبية نحت نحو رأسمالية السوق الاجتماعية المنضبطة إلى حدٍّّّّّّّّّّّّّ ما والحاملة لالتزامات نحو مجتمعاتها. وهكذا ولدت في أوروبا دولة الرعاية الاجتماعية التي التزمت تجاه شعوبها بتوفير مستويات معقولة مجانية من التعليم والصحة والإسكان وبتوفير فرص العمل والمساعدات للعاطلين عن العمل وللمهمشين بسبب العجز أو كبر السٍّن. بينما نأت الدولة الأمريكية بنفسها عن تلك الالتزامات وتركت إلى حدٍّّّّّّّّّّّ كبير المسؤوليات الاجتماعية لديناميكية وتذبذبات القطاع الخاص غير المستقرة وغير المنضبطة"
وهو الأمر الذي عبر عنه لويس لولا داسيلفا رئيس البرازيل حين رفض أن تكون دول الأسواق الناشئة هي «ضحايا كازينو القمار» المالي في أميركا، مطالباً واشنطن بالتحرك بسرعة لإنهاء الأزمة الحالية. مؤكداً أن أميركا مسؤولة لوحدها عن هذه الأزمة الطاحنة التي ضربت العالم "إن الأسواق الناشئة والتي قامت بكل ما يلزم لاتباع سياسة ضريبية سليمة وبكل شيء لتبقى اقتصاداتها مستقرة لا يمكن اليوم أن تكون ضحية للكازينو الذي أداره الأميركيون بأنفسهم".

بينما ألقى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي خطاباً غاضباً قال فيه "إن حال الاضطراب الاقتصادي التي أثارتها أزمة أسواق المال الأميركية وضعت نهاية لاقتصاد السوق الحرة حيث إن نظام العولمة يقترب من نهايته مع أفول رأسمالية فرضت منطقها على الاقتصاد بأسره وساهمت في انحراف مساره .. إن فكرة القوة المطلقة للأسواق ومنع تقييدها بأي قواعد أو بأي تدخل سياسي كانت فكرة مجنونة. وفكرة أن السوق دائما على حق كانت أيضا فكرة مجنونة".

في الخلاصة طالب ساركوزي بإصلاح النظام الرأسمالي العالمي بعد أن كشفت الأزمة الحالية عن ثغرات خطيرة في أسواق المال. من هنا دعا إلى اجتماع أوروبي في باريس سعياً إلى مؤتمر دولي أوسع لوضع الضوابط المطلوبة. ومن الآن نعرف ما سيكرره ساركوزي من أنه حان الوقت لجعل الرأسمالية «أخلاقية» بتوجيهها إلى وظيفتها الصحيحة: خدمة التنمية الاقتصادية وقوى «الإنتاج» والابتعاد تماما عن قوى «المضاربة».

لقد كتب بريجنسكي بعد التورط الأميركي في العراق :

((لقد تدهورت النظرة إلى دور الولايات المتّـحدة في المنطقة العربية، وأصبحت شعوب المنطقة تنظر إلى أميركا على أنها الوريث الإمبريالي للإمبراطورية البريطانية ووكيل إسرائيل، الذي يرفع شعار السلام ثم ينخرط في انتهاج تكتيكات المُـماطلة والتسويف لتمكين إسرائيل من التوسع في الاستيطان.

إن الرئيس الحالي جورج بوش الابن،لا يستحق إلا تقدير "فاشل"، لأن سِـجِّـله حافل بالكوارث والمصائب، وفي عهده انحدرت قُـدرة الولايات المتحدة على حشد التأييد الدولي وتشكيل الحقائق على مستوى العالم، كما أن الولايات المتحدة تورّطت تحت رئاسته في حرب كارثية في العراق، وأصبح المجتمع الأميركي أسيراً للخوف والعزلة .

أما قضية التغيير الديمقراطي ومساندة واشنطن للحكام العرب غير المنتخبين، فيجب إدراك أن الديمقراطية ستبزُغ على المنطقة العربية شيئاً فشيئاً، ولكنها لن تأتي من خلال دعوة الولايات المتحدة إلى التحوّل نحو الديمقراطية ولن تأتي كذلك على أسنـّـة الرماح بفرضها بالقوة الأميركية المسلحة.

فالديمقراطية الحقيقية يجب أن تنبع من الداخل) .
يمكننا أن نؤكد الآن مع بريجنسكي أن الرئيس جورج بوش لا يستحق إلا تقدير (فاشل) ليس في (مغامراته) العسكرية و(مصائب عهده وكوارثه الأخلاقية في السياسة وحقوق الإنسان والشعوب معاً، ولكن أيضاً فيما وصلت إليه أزمة الأسواق العالمية اليوم التي تنبىء بالتهام لقمة مواطن بلدان العالم الثالث وحبة دوائه وحليب الرضع من أبنائه..
ربما العالم اليوم بحاجة إلى الوقوف بصلابة ضد السياسات الفاحشة التي يقبع ورائها توحش رأس المال وحماقات أصحابه وجشعهم قبل أن نتحول جميعاً إلى ضحايا "كازينو القمار" المالي في أميركا كما عبر الرئيس البرازيلي مؤخراً .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات