اغلاق

المصالحة طريق الانجاز والاصلاح


اياً ما كانت اسباب ''الربيع العربي'' ومنطلقاته وغاياته، واياً ما كانت القوى والتنظيمات التي حرّكته او ركبت موجاته او استفادت منه وراهنت عليه، واياً ما كانت براءة وعفوية بواعثه ودوافعه او خبثها ومخاتلتها.. فالثابت الآن، وبعد ثلاث سنوات من عمر هذا الربيع، انه قد استحال الى حريق مدمر يلتهم الاخضر واليابس في معظم ديار العرب، ويتمادى يوماً بعد يوم في تمزيق صفوفهم، وانهاك جيوشهم، واستنزاف طاقاتهم، وتهديد وحدة ترابهم الوطني، وربما اخراجهم من قافلة التاريخ.

قبل ''الربيع العربي'' كان لاوروبا الشرقية ربيعها، لدى انهيار الاتحاد السوفياتي قبل ربع قرن، ولم نشهد انذاك ذبحاً للرجال، او قطعاً للرؤوس، او سطوة للنفط، او جهاداً للمناكحة، بل شهدنا حراكات شعبية ونخبوية ثورية حضارية وتقدمية وتوافقية لا اثر فيها للرجعية والوهابية والفتاوى التكفيرية والنعرات المذهبية والطائفية.

قبل ''الربيع العربي'' ايضاً كان لامريكا اللاتينية ربيعها الديموقراطي المرسوم على بوابات القرن الحالي، والحافل بالتوجهات اليسارية، والنزعات التحررية الرافضة للتبعية، والخيارات العابقة بالحق والمساواة والعدالة الاجتماعية، بعيداً عن العنف والتطرف والتعصب والدعوات السلفية والماضوية والقرضاوية، معطوفاً عليها النهج الليبرالي الاستغلالي البغيض الذي سبق ان حوّل الكثير من دول تلك القارة الى ''جمهوريات موز'' ملحقة بالشركات الاحتكارية والبيوتات الاقتصادية في الولايات المتحدة.

اما ربيعنا الذي ابتدأ ثورياً ومبشراً بالخير وزاخراً بالوعود والآمال الوردية، فسرعان ما اضاع خارطة الطريق، وتنكب جادة الصواب، وغرق في بحار الدم ومستنقعات الفتن، واسلم قياده لنواطير النفط ومهاويس ''القاعدة''، وافسح في المجال امام سائر الاختراقات الاستخبارية الامريكية والصهيونية والتركية والاوروبية التي قوضت اركان الامن القومي، واججت مشاعر العداء والبغضاء داخل البيت العربي، وحاولت جهد الطاقة تخفيض درجة الصراع العربي - الاسرائيلي الى ادنى مستوى، بل عمدت الى تقديم اسرائيل كصديق او حليف يمكن للعرب الاعتماد عليه والتعاون معه والاطمئنان اليه.

الاخطر والاكثر مدعاة للاسف والقلق، ان ثورات ''الربيع العربي'' وحراكاته قد كشفت عن جهالة شعبية لا يجوز انكارها، وضحالة فادحة في منسوب الوعي السياسي لدى الجماهير، وخراب يكتسح المجتمعات الاهلية على غير صعيد روحي ووطني واخلاقي، جراء ما تعرضت له الشعوب العربية من بطش وارهاب وافقار واهمال على ايدي حكامها الفاسدين والمستبدين، لاكثر من نصف قرن.

ربما بسبب هذه السذاجة السياسية والعطالة الفكرية والثقافة السطحية المبنية على لغة المشافهة والتلقين والوعظ الكلامي، اتجهت جماهير الربيع العربي نحو الاسلام السياسي والتكفيري، وانهمكت في هدم الانظمة القائمة باكثر مما اهتمت ببناء الانظمة الثورية البديلة، وتوهمت ان حصولها على الحرية يمنحها الحق في اطلاق العنان دفعة واحدة لكل ما يعتمل في نفوسها واعماقها من مكبوتات دفينة، وضغائن مزمنة، وشهوات عارمة للسلطة والشهرة والثروة وتعظيم الذات واقصاء الآخرين.. الامر الذي انعكس في صورة حروب اهلية، وصراعات مجتمعية، ومجازر عرقية ومذهبية وطائفية وذبح على الهوية.

المثير للاسف والاستغراب ايضاً، ان تتكشف معظم النخب السياسية والثقافية، واغلب قوى المعارضة واحزابها وتنظيماتها عن زمر انتهازية عقيمة فكرياً واخلاقياً، وشلل ارتزاقية رخيصة تبحث عن المال حتى من احط المصادر الرجعية النفطية، وتشكل طابوراً خامساً لخدمة الاجندات الاجنبية، وتتلهف على السلطة حتى لو جاءتها فوق الدبابات والطائرات الاطلسية، وبلغتها على حساب المبادئ والمصالح والمطامح الوطنية والاستقلالية.

وهكذا فقد ''ضاعت الطاسة'' وسادت الفوضى المتعددة الابعاد والاطراف، ودخلت الامة العربية في دياجير ليل بهيم، وجحيم صراعات دامية ومنازعات مركبة ومعقدة، لانها لا تدور بين الحاكمين والمحكومين فقط، ولا بين دول عربية واخرى فحسب، بل تدور ايضاً بين الشعوب ذاتها وداخل المجتمعات ومكوناتها، انسياقاً خلف النعرات البالية والدعوات الفتنوية الحمقاء والخروقات الاستخبارية المتشعبة.. وهو الامر الذي لا يمكن اعتباره ''حالة ثورية'' مؤقتة، او ''مرحلة انتقالية'' عابرة كثيراً ما تمر بها الثورات الشعبية الصاخبة قبل وصولها الى بر الامان والاستقرار.

ان ابسط قراءة وتمعن وتحليل للوقائع العربية المتدافعة بعنف مجنون، وتذابح غير مسبوق، وتخبط على غير هدى، واستدعاء لكل موروثات العداء والبغضاء، انما تؤشر بوضوح تام الى ان امتنا العربية تسير نحو الدمار، وتتجه صوب التشرذم والتفكك والخراب، وتشرع الابواب امام التوسع الصهيوني والاطماع الاقليمية والدولية.. ذلك لان ما نسمعه ونشهده هذا الاوان في وطن العرب، ليس علائم مرحلة انتقالية مرشحة للزوال، ولا هو مخاض ميلاد يبشر بقرب الخلق والانجاب، بل هو حشرجات موت زاحف، وارهاصات بلاء وفناء وضياع اين منه ضياع سبتة ومليلة والاسكندرون والاحواز والصومال و.. فلسطين.

وعليه.. وحتى لا تتواصل مسلسلات الدمار وفصول الانتحار، لا بد من وقفة عربية جماعية مع الذات، وامتثال صادق لاحكام العقل والضمير، ومراجعة شاملة وامينة لزلزال ''الربيع العربي'' والاسباب الدافعة له والنتائج المترتبة عليه، واستخلاص الدروس والعبر التي من شأنها الاسهام في تأسيس نهج جديد، واجتراح استراتيجية مغايرة، وفتح صفحة تصالحية في سجل التعاملات الوطنية بين الحاكمين والمحكومين في كل دولة، والعلاقات القومية بين الدول العربية بعضها بعضاً.

بعد كل هذا التطاحن والتشاحن داخل البيت العربي، لاكثر من ثلاث سنوات عجاف، لا بديل عن ''ثقافة المصالحة''، وعودة ادبيات التفاهم والتناغم والتوافق، واستعادة مكونات الوحدة الوطنية في الداخل ومقومات التضامن العربي على الصعيد القومي، ورفع شعار ''المصالحة طريق الاصلاح'' بعدما ثبت، بدلالة الواقع الراهن، ان متواليات العنف والدم والصراع قد جلبت لنا الدمار وليس التغيير، واورثتنا الفوضى العدمية وليس الحرية والديموقراطية والشفافية.

لا بديل عن المنازلات الدامية والحامية سوى التنازلات السياسية المتبادلة بين كل الاطراف والافرقاء.. دولاً وانظمة وشعوباً ومجتمعات، ولا بديل عن لغة الرصاص والنار غير ابجدية التفاوض والحوار والبحث الجدي والجماعي عن جوامع وطنية، وقواسم مشتركة، واصلاحات سياسية واقتصادية متدرجة، ومقاربات في الصفوف والمواقف والاهداف القومية، خصوصاً بعدما برهنت الاحداث الحاضرة ان من المستحيل الفصل بين ما هو وطني داخلي، وما هو عربي عام وشامل.

ندرك ان فضيلة التنازل المتبادل والتساهل مع الآخر تحتاج الى ارادة سياسية حازمة، وقوة عقلية راجحة، ومغالبة نفسية وروحية شاقة، وقدرة هائلة على الترفع والتسامي والتسامح.. لكن التحديات الجسيمة تتطلب تضحيات عظيمة، واعمالاً جليلة، وهمماً شامخة، وقدراً كبيراً من ''الجهاد الاكبر'' مع النفس الامارة بالسوء.

حين اطلع جمال عبدالناصر، اواخر عام 1963، على حقيقة المخططات الاسرائيلية لتحويل مجرى نهر الاردن، لم يتردد تحت وطأة الشعور العالي بالمسؤولية القومية، في اعتماد خيار المهادنة، ورفع شعار ''وحدة الصف'' بدل ''وحدة الهدف''، وفي الدعوة لعقد قمة عاجلة يحضرها سائر الحكام العرب من الرجعيين والثوريين، لمجابهة هذا الخطر الجلل، واحياء سياسة التضامن القومي والعمل العربي المشترك، رغم ان الخلافات والانقسامات والتناحرات العربية كانت يومذاك في اوج اشتعالها واعنف مراحلها.

ومن هنا فاننا ندعو مخلصين الى صحوة عربية تصالحية عاجلة، وارتفاع جماعي - شعبي ورسمي - الى مستوى الاحداث والتحديات، واستجابة طوعية من اهل الحكم وقوى المعارضة معاً لـ ''احكام الضرورة'' التي تقضي بحتمية التلاقي والتفاهم والتعايش ولو ضمن الحدود الدنيا والحلول الوسطى، مهما بلغت الجراح والخلافات والاحقاد الثأرية.

ربما يسخر ازلام السعودية وباقي الجماعات الثأرية والتكفيرية من هذه الدعوة الانقاذية المعقولة، ويعتبرونها امنية حالمة يتربص بها المستحيل، او شطحة مثالية وطوباوية غير قابلة للتحقيق، او صرخة انفعالية سوف تذهب مع الريح في واد.. ولكن يتعين على اولئك الساخرين واصحاب الرؤوس الحامية ان يأتونا بالبديل الافضل والحل الامثل ان كانوا مخلصين، ذلك لان بقاء الحال العربي على هذا النحو المأساوي الفظيع لا يعني سوى هلاك الجميع دون استثناء !!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات