اغلاق

الصراع العربي الاسرائيلي


يثير التصاعد الملحوظ لدور الأحزاب الدينية فضلاً عن التحول ناحية اليمين الكثير من التساؤلات حول طبيعة التوجهات الإسرائلية القادمة في ظل الحكم الحالي وأثرها على مستقبل التسوية السلمية وخاصة مسألة الانسحاب من الأراضي الفلسطينية.

وكما هو معروف فإن الأحزاب اليمينية والدينية تتخذ موقفاً متشدداً وأحياناً متطرفاً من تلك المسألة حيث تضفي عليها طابعاً من القداسة بدعوى أنه لا يمكن التفريط في أي جزء من "أرض إسرائيل الأبدية" التي ترتبط بالشريعية اليهودية وبوجود الشعب اليهودي ذاته.

والواقع أن هذا الخطاب الأيديولوجي الذي يزاوج بين التشدد والتدين والذي بدأ يميز موقف الحكومات الإسرائيلية وتزايد حدتها والتي ارتبطت بالتطورات السياسية والاجتماعية التي شهدتها اسرائيل طوال العقدين الماضين والتي كان أبرزها تراجع اليسار الذي مثله حزب العمل أي الصهيونية الاشتراكية.

ومنذ مجيئ الليكود إلى الحكم وصعود اليمين والاتجاهات الدينية وهذا يعد من أهم التحولات التي طرأت على تطور الأيديولوجية الصهيونية منذ إنشاء دولة إسرائيل وحتى الآن واعتبرت نفسها "حركة تحرير للشعب اليهودي" عن طريق توطينه داخل دولة يهودية تجمع فيها يهود العالم. والواقع أن تزايد دور هذا التيار فضلاً عن تنامي الدور السياسي للأحزاب الدينية قد فتح باب لتنامي الاتجاهات الانغلاقية وما يرتبط بها من تعصب وعنف خاصة فيما يتعلق بمسألة الأراضي والاستيطان والحق اليهودي في كامل أرض إسرائيل وفق تفسيرها الديني. لقد ازداد تنامي هذه التيارات الدينية قوة بعد فشل "العمل" ممثل تيار الصهيونية الاشتراكية العلمانية.. واعتبرت هذه نقطة في تصاعد قوة التيار الديني في مواجهة التيار الذي عرف بمواقفه العلمانية الصريحة فضلاً عن انتقاده المستمر للثقافة اليهودية التقليدية وإقامة الدولة اليهودية على أرض إسرائيل الكاملة كما حددتها الشريعة اليهودية أو التوراة ورفضه فكرة المساومة على السيادة وتغذية نزعة العنف واستخدامه كسلاح سياسي.

اذا كانت الحرب التقليديه التي تشنها اسرائيل على البنيه التحتيه والفوقيه على اهدافها فان الحرب مع المقاومه بكافة اشكالها وانواعها اكثر تعقيدا وتداخلا و ان التكتيك القتالي على هذا المسار بالتحديد له خصوصيته وعناصره التي تؤثر على عملية التوازن العسكريه خاصه وان الاطراف المتناصره على طرفي نقيض في نوعية تكتيك المواجهة من هذا المنطلق اصبحت المهمه العسكريه معقده بالغه التعقيد متعددة الابعاد فقد اثبتت اسرائيل فشلها بفضل المعلومات عن قوتها وذلك من خلال توجيه ضربا تها المتلاحقه الى الاهداف المدنيه بعيدا عن الاهداف الاستراتيجيه المحدده للمواقع العسكريه لكن تحقق الاهداف وهي بذلك فشلت فشلا ذريعا بالتنسيق بين القوه والهدف ولم تستطيع استخدام اسلحتها بكل امكانياتها المتطوره تكنولوجيا اختراق الاهداف داخل المناطق المستهدفه وهذا يعني ان التكنيك الاسرائيلي التقليدي والذي يختص بالجيوش والحشود العسكريه قد ثبت فشله ووضعت اسرائيل جيشها وشعبها بمهمه عسكريه ومعقده بالغة التققيد ولا شك ان هذا الفشل المذهل في مهمه اسرائيل العسكريه سوف يغير من حسابات الصراع القادم بالرغم من اعتماد الاستراتيجيه العسكريه الاسرائيليه على نظام معلومات متطور يعتمد على التقدم في عالم البرامج والحسابات الالكترونيه والتي اصبحت متناقضه مع تكتيك ومعادلات كسرت الحواجز العسكريه والتكنولوجيه لذلك فان محاولة الاستمرار الاسرائيليه لدخول حرب تقليديه مع اهدافها سوف يكون عملا انتحاريا وان هذا النوع من الحروب الذي تنتهجه اسرائيل في الحرب التقليديه مع اهدافها الحاليه والمستقبليه لا يمكن ان تصمد امامه الاستعدادات العسكريه الاسرائيليه في الحرب التقليديه الا اذا استخدمت اسلحه الدمار الشامل وبذلك تكون مخاطره كبيره والسؤال هنا يستند الى فرضيته في حال اقامة طاوله المفاوضات لقادة الصراع ودخول الدبلوماسيه فان الفرضيه الاولى هي السلام النسبي الذي سيسود المنطقه سوف يستمر ولكن لبعض الوقت حتى تظهر مناقشات شديده بين دول المنطقه وبالتالي تحدث انقسامات مما ينتج عنه انحدار دول المنطقه الى الجريمه والفوضى والفساد وهذا سيتطلب جهودا مكثفه لحماية الحضاره الانسانيه وتطويرها وتنميتها ثقافيا واجتماعيا وانسانيا وتبقى حقيقه هامه وهي ان الدبلوماسيه اذا لم تحكم قبضتها بكل التفاصيل الدقيقه وتطبقها على ارض الواقع ليكون السلام شاملا وعادلا واغلقت الاجندات بكل بنودها فسوف يبقى الصراع مفتوحا بالمنطقه لدرجه انه من الصعب تحجيمه او حمايته
لقد فقدت ادارة المخابرات الاسرائيليه قيادتها بمعادلة الحرب الغير تقليديه وهذا يعني انها قد فشلت بكل اجهزتها فقد اصابها الترهل والكفاءه بمعنى عدم استجابتها السريعه لمتطلبات الفهم في عالم يزيد فيه الطلب عن العرض لذلك فقد اصبح جهاز المخابرات الاسرائيلي في اعطائه تفاصيل واقامه الحرب عقيما ويعتبر من اطلال الماضي في عصر المعلومات فقد اختلطت الاوراق المعلوماتيه لدى جهاز المخابرات الاسرائيليه بين الاوراق الامنيه والاعتبارات السياسيه وتحليل ودراسة المعلومات والتي تدخل في نطاق الامن الاسرائيلي وانني اجزم من خلال ملامح الحرب ان هناك تخوفا من تاثير ضياع القرارات السياسيه رجال السياسه الاسرائليين على جهاز المخابرات وان العبء الاكبر قد وقع على عاتق الاجهزه التقليديه للمخابرات بتحليل نوعية المعلومات وهذا قد اثار مخاوف المدنيين الاسرائيلين في عدمية شرعيه المعلومات وسقوط المهمات العسكريه السابقه والاحقه.

ان اسرائيل تحاول أن تظهر بمظهر الديمقراطية الرنانة على الرغم أن الأغلبية منهم لا يؤمنون بحق الفلسطينين في اقامة دولة مستقلة بل انهم لايؤمنون بقدرة الفلسطينين على اقامة وفصل الدولة وهذا يعطي تفاؤلا حذرا بشان فصل الدولتين لان الدوله الاسرائيليه هي دوله حديثه ما زالت في طور التكوين فحدودها التاريخيه والجغرافيه لم تتحدد بعد كما ان ثقافتها السياسيه ما زالت ايضا في طور النشأه .

ان تنامي نفوذ المستوطينين واليمين المتطرف والمتدين وايدويولوجيه الليكود المعرفه والقائمه على شعار ارض اسرائيل الكامله وعدم التنازل عن ارض الاجداد والذي يقوم على رفض الانسحاب وعدم الاعتراف بقيام دوله فلسطينيه فكيف يكون الفصل بين الدولتين او حتى طرح الموضوع للتفاوض وان دعم وتنشيط الاستيطان اليهودي مستمرا ورفض مبدا الارض مقابل السلام وهناك توقع بمزيد من التشدد والتضيق والاعتماد على الجيش الاسرائيلي في الموضوع الامني الامر الذي سيزيد من الاحتكاكات والمشاكل بين الجيش الاسرائيلي والفلسطينين بالاضافه الى ذلك فهناك ملفات ساخنه لم تغلق بعد مثل ملف القدس والاستيطان وحق العوده والتعويضات ونطالب بفصل الدولتين فانه من غير المستبعد ان توافق الحكومه الاسرائيليه على الدخول في مفاوضات الفصل بين الدولتين لانها ستكون صعبه للغايه وبطيئه عن تقدم ايجابي سريع .

انني اتصور بحكم الموقف الاسرائيلي اخراج القدس من دائرة المفاوضات واعطاء الاردن دورا في تحديد شكل التسويه النهائيه للقضيه الفلسطينيه وفي هذا الصدد يمكن القول بان الاردن يعد الطرف العربي الفائز من نجاح نتنياهو والليكود او على الاقل الطرف غير الخاسر في ضوء ان الليكود سبق ان ايد معاهدة السلام الاسرائيليه الاردنيه ومن ثم لم يعد مطروحا ما يسمى بالخيار الاردني اي اعتبار الاردن هو الوطن البديل للفلسطين وهذا سيعطي الاردن دورا في تحديد مستقبل الكيان الفلسطيني ويقلص من احتمالات القيام دوله فلسطينيه مستقله لصالح قيام شكل من اشكال العلاقه بين الاردن والكيان الفلسطيني يكون فيه .

الفلسطينيون الطرف الضعيف هذا فضلا عن امكانية حصول الاردن على دور في الاشراف على الاماكن الاسلاميه المقدسه في القدس باعتبار ذلك بمثابة حل لمشكله القدس من وجهة نظر الليكود واعطاء محمود عباس سلطات محدوده وفي اضيق الحدود في مجالات الامن والعلاقات الخارجيه والاقتصاديه وذلك في اطار حكم ذاتي اداري ولا شك ان تعثر مباحثات فصل الدولتين هو امر وارد سيقود الى بقاء الوضع الراهن لامر غير منظور اي عده كانتونات منفصله عن بعضها في الضفه الغربيه تتعايش جنبا الى جنب مع المستوطنات اليهوديه ودوله شبه مستقله بحكم الواقع في قطاع غزه وهذا السيناريو قد يقود الى تصاعد اعمال العنف بدلا من فصل الدولتين .

من المؤكد ان السياسة الخارجية الاسرائيلية ستدخل في نفق الليكود الذي فشل في تعريف نفسه للمنطقة والعالم وبعبارة أخرى لم يستطع نيتنياهو الرئيس المنتخب تقديم نفسه في حلبة السياسة الدولية بصورة واضحة وليس معروفا غاياتها من وسائلها وليس معروفا أولوياتها من فرعياتها وهل تنطلق السياسة الخارجية لليكود من نقطة تتجاوز وتتخطى تراث التسوية السلمية التي انطلقت من مدريد وهل يعني ذلك عودة الى تبني التوجه الصراعي للسياسة الخارجية الاسرائيلية أم تستسهل ركوب لغة الصراع عبر التصريحات دون أن تدرك عواقب العودة العملية الى التوجه الصراعي وما المحددات الاديولوجية والدينية التي تغذي التوجه الصراعي للسياسات القادمة وعمليا كيف ينعكس هذا التوجه الجديد على قضايا محددة مثل الاقتصاد ما بين الشرق أوسطية والاعتماد على المعونات الخارجية واحتمالات الحرب على الجانب السوري والفلسطيني ودور الدين في توجيه الدور الاسرائيلي والموقف من المستوطنات التي تعد أحد الأعصاب الحساسة للصراع الاسرائيلي العربي وفي هذا الاطا ر يمكن فهم الموقف الاسرائيلي المعارض للتحركات التي تقوم بها مصر لتشكيل موقف عربي موحد من التحركات الاسرائيلية التي تنتهجها الحكومة الجديدة اتجاه عملية السلام باعتبارها عملا يؤدي الى تفريغ هذا التمييز الاسرائيلي الجديد من مضمونه ويقطع الطريق على محاولات اسرائيل تطبيق هذا التقسيم كوسيلة لعزل بعض الأطراف المتفاوضة وتدعو الى اتخاذ اجراء دولي ضدها وكذلك كوسيلة لاستمرار احتلال أراضي الضفة الغربية وفرض هيمنتها الأمنية على مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني وان هذا الموقف سيحكم السياسة الاسرائيلية اتجاه مصر خلال المدة القادمة ولاشك في أن سياسة كهذه لن تكون عاملا في الحفاظ على الاستقرار الاقليمي وانما لزعزعته وهي سياسة سيكون لها اثارها السلبيةعلى اسرائيل قبل غيرها من دول المنطقة وسيكون من الصعب عليها أن تسهم في تجنب تدهور الوضع الأمني الداخلي والاقليمي أو طرح مبادرات تزيد من تعقيد المفاوضات وتعميق أزمة الثقة بين الأطراف ان العمل على تحويل الصراع في المنطقة عن اطاره التاريخي المتمثل في بعده العربي الاسرائيلي الى اطار اقليمي جديد أساسه التميز بين محور السلام والأمن ومحور الارهاب والعنف والنظر الى هذا التقسيم الجديد باعتباره الأساس الذي ستقوم عليه شبكة العلاقات والتحالفات الاقليمية والدولية في المنطقة مستقبلا .

تشير التطورات التي شهدتها الساحة السياسية في المنطقة على تولي نيتنياهو مهام منصبه كرئيس للوزراء في اسرائيل الى أن عملية السلام ستلعب دورا محوريا في توجيه السياسة الخارجية الاسرائيلية سواء على صعيد علاقات اسرائيل الاقليمية أو علاقاتها الدولية لا سيما مع حليفها الرئيسي الولايات المتحدة وتشير ردود الافعال الاطراف الاقليميه والدوليه على انتخاب نيتانياهو وما يعنيه ذلك بالنسبه لعملية السلام الى مدى تاثر علاقات اسرائيل مع هذه الاطراف بمدى التزامها بمواصلة مفاوضات السلام وشروط هذه المفاوضات ورجعيتها يمكن ان تكون محل خلاف بين الحكومه الاسرائيليه الجديده وبين هذا الطرف او ذاك من الاطراف المعنيه بمفاوضات السلام.

ان توجيهات الحاكمه لهذه السياسه ولمضمونها لا بد وان تنطلق من تقدير اولي للموقف الاسرائيلي من مفاوضات السلام واحتمالات تطوره وهو موقف تحكمه بلا شك عدة اعتبارات منها ما هو ايدولوجي ومنها ما هو جيو استراتيجي وسياسي فضلا عن الاعتبارات الاقتصاديه والدبلوماسيه وما تفرضه من قيود على السلوك الاسرائيلي في هذا الصدد وهناك الدائره الخاصه بالنظام السياسي الاسرائيلي وتفاعلاته وانعكاساته على السياسه الخارجيه الاسرائيليه وتزداد هذه الدائره الخاصه بالنظام السياسي الاسرائيلي اهميه في ضوء ما حملته الانتخابات الاخيره.

ولاشك ان مثل هذه السياسه ستضع الحكومه الاسرائيليه الجديده في تعارض مع الاطراف العربيه يؤثر على العلاقات الاسرائيليه العربيه في مجملها ويحول دون تقدمها .

وستلجا الحكومه المتطرفه الى ممارسة اشكال مختلفه من العمل العسكري من اجل زعزعه استقرار القوى المناوئه لها ولا سيما سوريا و لبنان حماس تحت شعار مكافحة الارهاب ولا شك في ان سياسة كهذه لن تكون عاملا للحفاظ على الاستقرار الاقليمي وانما لزعزعته وهي سياسه سيكون لها اثارها السلبيه على اسرائيل قبل غيرها من دول المنطقه وفي ظل سياسه كهذه يكون من الصعب عليها ان تسهم في تجنب تدهور الوضع الامني الداخلي والاقليمي ولا يمكن للخطوات الصغيره التي يمكن للحكومه الاسرائيليه القيام بها او طرح مبادرات تزيد من تعقيد المفاوضات وتعميق ازمه الثقه بين الاطراف .

ان التحالف لحكومة نيتنياهو يستند في صياغة تصوراتها وتوجهاتها الى هذين العاملين الخوف والدين الامر الذي يدفع البعض الى عدم التفاؤل بخصوص السياسه التي ستتبعها مثل هذه الحكومه وهذا يدفع الى اتباع سياسات متطرفه وبعيده عن الواقعيه .

talal_gerasa@yahoo.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات