اغلاق

من يستوعب المرحلة


شاب يحرق نفسه في تونس ،يتبعها تعاطف شعبي عارم ليشكل ما يسمى هبة ، تتسارع الأحداث لتطيح بزين العابدين بن علي، الذي ازعم انه للآن لم يستوعب ما حدث !!

تنتقل الهبة الشعبية إلى مصر ،لتتحول إلى ثورة سلميه مطالبة برحيل الرئيس المصري ،الذي وقف حائراً مندهشاً أمام أحداث تتسارع ولم تسعفه أعوامه الثمانون في استيعاب ما يحدث ،وليخرج علينا بعبارة "مصر ليست تونس" هذه العبارة كررها القذافي ،وأضاف إلى جانب تونس مصر ، وأخيراً وربما ليس أخراً كررها بشار الأسد.

لم يكن هؤلاء القادة ليلقوا الكلام على عواهله ، هم فعلاً هكذا اعتقدوا وظنوا، وكل الظن إثم هنا أن الجموع التي كانت تتسابق للتلويح وللمس أكفهم، وإن نفاقاً ، ستبقى على ما هي عليه ،وأن هذه الشعوب الخانعة الراكعة الطائعة لن تطلب أكثر من ذلك !

نعم لم يتغير الشعب ،فقط عدم قراءة التاريخ جيداً من قبل القادة ومستشاريهم وعدم استيعاب المرحلة، والتيقن بأن الشعب لن يطلب من الحرية إلا ما قسموه لهم ،هو الذي أزاحهم .

لو أنهم علموا والعلم هنا مكروه لديهم أن استكانة الشعب طيلة تلك الفترة لم يكن خوفاً ولا خشية من السلطة الدكتاتورية العاتية، ولكن لأن الشعوب كانت غير مستعدة في ذلك الوقت على دفع ثمن الحرية ، كما قال الفيلسوف الفرنسي آتيين دي للابويتيه (1565_1530) في مقالته الشهيرة «العبودية المختارة»، من أن "الخضوع للطغيان لا يعني انعدام إرادة الحرية، بل الإحجام عن دفع ثمنها."

هذه النظم العربية التي غيّبت الدستور، والنظام السياسي، وخضعت المواطن بالوعود ، بالرخاء والتطور مستقبلاً ، وبوليسياً حاضراً ، لم تستوعب المرحلة .

هذه النظم التي امتهنت الكذب والنفاق، والمراوغة والخداع، والظلم والاستبداد، والقهر، والاضطهاد، والذل، والهوان، والخيانة والتآمر على الشعب لم تستوعب المرحلة .

هذه النظم التي تعاملت بثقافة الاستعلاء اجتماعياً، والإقصاء سياسياً وفكرياً ،والاحتكار في التجارة والاقتصاد، ومراكز نفوذ وقوى كمعاملة بين المواطنين ، لم تستوعب المرحلة .

هذه النظم التي فلسفة نظرية ليس بالإمكان أحسن مما كان وسوقتها لشعوبها مجردة من التجارب المفيدة وغير صالحة لسد حاجات العصر ،وعاجزة عن التطلع لإستشفاف آفاق المستقبل ،لم تستوعب المرحلة .

هذه النظم التي مارست مع الشعب ، التهميش والدونية ،وطمس قيم الحق ،والخير، والجمال ،والصواب ،والرؤيا وبعد النظر ،واستأثرت بها لنفسها لم تستوعب المرحلة .

هذه النظم التي غرقت بأوهام وأحلام ما كانت أبعد من أخمص القدم، وما كانت تلزم الإنسانية لدوافع ومدافع ومنافع، ومطامع، غريزة الاحتواء ، وعبوس المخيلة لم تستوعب المرحلة .

تلك أنظمة خلت ونوجه خطابنا للقادمين الجدد ،ولمن لا يزال غير أبه بما يجري ،وندعوهم أن يعوا ، أن الشعوب في لحظة ما ،قد تكون على استعداد أن تدفع ثمن الحرية الغالي .
آه لو تستوعب باقي اللأنظمة العربية المرحلة!!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات